|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في لحظةٍ من السكون التي تسبق الفجر، حين تكون السماء بين غفوة الليل ووشوشة النور، يولد في الإنسان سؤال لم يستطع أن يهرب منه منذ الأزل: من أنا بين عظمة الخلق، وأين يقف عقلي أمام حكمة الخالق؟ ذلك السؤال الذي لم يُجب عليه أحد إجابة تامة، لأن كل جوابٍ يولد في صدى السؤال نفسه، كأنما أراد الله أن يبقى الإنسان باحثًا لا مالكًا، وسائرًا لا واصلًا. في تلك اللحظة، يبدأ العقل رحلته، لا كآلةٍ للتفكير، بل ككائنٍ يشتاق إلى أصله. يتلمّس الخطوط الدقيقة بين الأمر الإلهي “كن” وبين الفعل الإنساني “أفكّر”. ومن هنا تنشأ رحلة القرار – تلك التي تتجاوز المنطق لتصبح تجلّيًا من تجلّيات الخلق نفسه.
العقل لا يتخذ القرار دفعة واحدة، بل يمرّ في مواكب خفية من المراحل، كأن في داخله مجلس شورى صغيرًا من نور: شعورٌ يُنذر، وفكرٌ يُحلّل، وذاكرةٌ تستدعي، وخيالٌ يتنبّأ، وإيمانٌ يزن بميزانٍ لا يخطئ. ثم يقف الإنسان عند عتبة الاختيار – وهنا يبدأ الامتحان الذي لا ينجو منه إلا من صدق نفسه أمام ربّه. قال سقراط يومًا: “اعرف نفسك تعرف الكون.” لكنّ العارفين بالله يعلمون أن المعرفة الحقيقية لا تبدأ بالنفس، بل بالاعتراف بالعجز عنها. فما العقل إلا هديةٍ من الخالق، حدّها بقدرٍ، كي تبقى قادرة على الانبهار، لا التجبّر.
وفي عمق هذه الرحلة، تتداخل المراحل الأربع عشرة وأكثر التي يمر بها العقل، من الومضة الأولى للإدراك حتى لحظة الرضا بعد الفعل. كل مرحلةٍ تهمس بقدرة الله في خلق هذا النظام البديع: كيف يجمع بين النار والرحمة، بين الحذر والأمل، بين الحساب والسكينة. ولعلّ أجمل ما في هذا النظام أنه لا يُدار بالعقل وحده، بل بقلوبٍ تؤمن أن الإلهام جزء من الوحي البشري، وأن الخطأ ليس سقوطًا، بل علامة على أن الإنسان لا يزال حيًّا في سعيه نحو الكمال. يتخذ الإنسان قراره، ثم يكتشف أن القرار هو الذي كان يتّخذه… لأن في كل لحظةٍ من حياته، هناك إرادة عليا تُسيّر الأسباب بقدرٍ لا يراه إلا من أُوتي البصيرة. وهنا يدرك أن الاختيار الإنساني ليس خروجًا عن المشيئة، بل مشاركة في كتابتها.
في التأملات الكبرى، حين يقف الإنسان على حافة الزمن، يكتشف أنه كائنٌ من “بين”، لا من “طرف”: بين الروح والجسد، بين الغيب والشهود، بين العقل والقلب. ومن هذا البين يولد الصراع الذي يُنمّي الفكر، ويُطهّر الشعور، ويُربّي الحكمة، وصدق من قال: “قيمة كل امرئٍ ما يُحسنه.” لكن القيمة الأسمى، كما يرى العظماء، ليست فيما يُحسن المرء فعله، بل فيما يُحسن التفكير فيه قبل أن يفعله. فالنية عقل القلب، والفكر نية العقل، وكلاهما يمضي بإذن الله في طريقٍ واحدٍ إلى الصواب. وحين يطول السفر، ويُرهق الإنسان من مراقبة نفسه في مرايا القدر، يتعلم أن القرارات العظمى ليست التي غيّرت العالم، بل التي غيّرت داخله. حين قرر أن يسامح، أن يصمت، أن يعفو، أن ينهض من حطام الخيبة ليقول: “ما زلتُ عبدًا شاكرًا لما أراد الله.” تلك القرارات التي لا تُسجّل في كتب الإدارة، لكنها تُسجَّل في دفتر الملائكة عند باب النور. وهنا تنكشف له الحقيقة الكبرى: أن كل قرارٍ في الحياة ليس نهاية طريق، بل بداية وعي. وأن الوعي حين يُضاء بنور الإيمان يصبح أوسع من الكون الذي يحتويه.
من هذا المقام، يرى الإنسان نفسه مرآة للكون – لا في حجمه، بل في نظامه: كما أن الكواكب تدور في توازنٍ دقيق، كذلك تدور الأفكار في مداراتٍ منطقية. وكما أن النجوم تهتدي بالقطب، كذلك يُهتدى في الحياة بنور الفطرة. وكما أن للسماء حدودًا لا تُرى، كذلك للعقل أبوابٌ لا تُفتح إلا بالدعاء. وقد قال نيوتن ذات تأمل: “كلما اكتشفتُ قانونًا جديدًا، شعرت أني طفلٌ يجمع الأصداف على شاطئ الحقيقة. “وهكذا نحن جميعًا – مهما بلغنا من علمٍ أو فكر – لا نزال عند شاطئ القدرة الإلهية، نجمع الأصداف الصغيرة من بحرٍ لا يُقاس.
وفي ختام هذه الرحلة التي تعبر بين الفكر والإيمان، يقف الإنسان متأمّلًا السماء، وقد أدرك أن كل لحظة قرار في حياته هي عبادة عقلية، وسجدة فكرٍ أمام عظمة الخالق. فيتعلم أن الإتقان ليس في أن تُحسن التفكير فحسب، بل أن تتفكّر بإحسان. وأن أجمل ما في الإنسان أنه حين يرفع بصره إلى السماء، يشعر أن الله ينظر إليه كما ينظر الأب إلى ابنه حين يحاول أن يفهم أسرار الكون بلطفٍ ودهشةٍ معًا. وهنا تكتمل الدائرة: فالعقل، والشعور، والإلهام، والقرار، والكون – كلها ليست كياناتٍ منفصلة، بل أوتارٌ مختلفة في لحنٍ واحدٍ اسمه الوجود. وما نحن إلا مستمعون في معزوفة الخلق، نحاول أن نلتقط اللحن الإلهي قبل أن يختفي في صمت القدر. وفي النهاية، لا يملك الإنسان إلا أن يهمس لنفسه: يا رب، علّمتَ العقل أن يفكر، والروح أن تشعر، فامنحنا أن نختار بما يليق بجلال حكمتك. واجعل من كل قرارٍ نيةً للخير، ومن كل خطوةٍ سعيًا نحو النور، ومن كل تجربةٍ فهمًا لنعمةٍ لا تُحصى.