رحلة الضوء المبدعون والفكرة بين الظل والنور

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في صباحٍ باهت من إحدى المدن العربية، جلس ليث، الإعلامي الشاب ومؤسس شركة إعلامية ناشئة، حاصل على دكتوراه في الإخراج، أمام شاشة حاسوبه، يحدّق في فكرة كانت تتشكل داخل عقله منذ أشهر: منصة رقمية تربط المبدعين العرب بالغرب في مجال الإعلام والإنتاج الفني والتقني. كل ورقة على مكتبه كانت تحكي حلمًا، كل خط يترجم شعورًا بالحماس المختلط بالخوف، كل فكرة كانت شرارة تنتظر شرارة أخرى لتتحول إلى لهب. ومع كل سطر، كان يختبر نفسه: ماذا إن رفضت المؤسسات والفكرة لم تجد من يحتضنها؟ ماذا إن لم يتلق الدعم المادي والمعنوي؟

في مكان آخر من العالم، كان سام، رائد تقني أمريكي، مؤسس شركة ناشئة في مجال الطاقة النظيفة، يواجه تحديات مماثلة. رفض مستمر من المستثمرين التقليديين، مؤسسات ترى أن الفكرة صغيرة أو محفوفة بالمخاطر. لكن رغم ذلك، لم يفقد الأمل. وهكذا، وفي قارات مختلفة، يتشارك المبدعون نفس الشعور: الموهبة تحتاج من يراها ويمنحها الفرصة لتزهر.

الفكرة في مواجهة الموانع

1-الموانع المؤسسية

عندما قدم ليث مشروعه إلى أكبر المؤسسات الإعلامية في بلده، اصطدم بـبيروقراطية متجذرة وعقليات تقليدية ترى الابتكار تهديدًا للروتين القائم. كل اجتماع كان اختبارًا للصبر: أوراق مطلوبة، موافقات متعددة، وعقبات غير متوقعة. تمامًا كما حدث مع برايان تشيسكي مؤسس AirBnB، الذي بدأ بمشروع صغير لتأجير غرفته أثناء مؤتمر، وواجه رفضًا متكررًا من المستثمرين قبل أن تتحول فكرته إلى شركة عالمية. ليث تعلم بسرعة أن المؤسسات الناجحة ليست فقط من تدير الأعمال اليومية، بل من تدير الأفكار والمبدعين الذين يصنعون الفرق.

2- الموانع الثقافية والاجتماعية

في المجتمعات العربية، كثير من المبدعين يُقابلون بنظرات شك وانتقادات سطحية، كما واجه ليث في بدايات مشروعه. كل فكرة جديدة كانت تُعتبر خروجًا عن المألوف. في الغرب، واجه إيلون ماسك سخرية الإعلام والجمهور في بدايات مشاريع السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية، لكنه صمد. الخوف من الفشل، النقد السطحي، وحتى الغيرة، كل ذلك يضغط على المبدع ويخنق إمكاناته. ليث أدرك أن المبدع يحتاج بيئة تمنحه الأمان النفسي والاجتماعي لتزدهر أفكاره بحرية.

3- الموانع التمويلية

حتى أعظم الأفكار، إذا لم تحظ بالدعم المالي، تبقى محبوسة على الورق أو في العقل. ليث واجه صعوبة في الحصول على التمويل، لكنه وجد أخيرًا شركاء يؤمنون بالفكرة ويقدّرون قيمتها. وهذا ما يميز المبدع الحقيقي: يجد طرقًا لتجاوز العوائق مهما كانت شاقة، لأن الفكرة لا تنتظر.

4-موانع التواصل والتبني

كم فكرة ضاعت لأنها لم تجد من يتبناها، ليس لأنها ضعيفة، بل لأن قنوات التواصل بين المبدع والمؤسسات غير فعالة. من هنا، بدأ ليث في بناء منصة رقمية للتواصل المباشر مع المستثمرين والمؤسسات الإعلامية العالمية، ليضع الفكرة والمبدع في قلب الاهتمام الحقيقي، بدل أن تبقى مجرد ورقة على مكتب.

رحلة المبدعين

علياء، مصر، مطورة تطبيقات صحية للأطفال:  بدأت مشروعها في غرفة صغيرة، واجهت رفض المستثمرين التقليديين، لكنها أطلقت حملة تمويل جماعي، لتصل اليوم إلى آلاف الأطفال، وتحسن حياتهم بشكل ملموس.

سام، الولايات المتحدة، رائد مشاريع الطاقة النظيفة: واجه مقاومة شديدة من المستثمرين والمؤسسات الحكومية، لكنه أصر على تطوير نموذج أولي للطاقة الشمسية المنزلية، واليوم مشروعه يغذي الملايين من المنازل.

ليلى، لبنان، مؤسسة منصة تعليمية رقمية: بدأت مشروعها لتعليم الأطفال السوريين اللاجئين عبر الإنترنت، وكانت الغرفة الصغيرة مكتبها الوحيد، لكنها وجدت من يساندها، واليوم المنصة تصل لمئات المدارس وتحدث فرقًا حقيقيًا في حياة آلاف الأطفال.

محمد، الإمارات، مبتكر منصة ذكية لإدارة المزارع الحضرية: واجه تحديات بيروقراطية في التمويل والدعم، لكنه ابتكر حلولًا رقمية، واليوم مشروعه نموذج عالمي للزراعة الذكية في المدن. كل هؤلاء المبدعين يظهرون أن الموهبة تحتاج إلى من يراها ويؤمن بها قبل أن تتحول الفكرة إلى إنجاز ملموس.

خطوات عملية لدعم المبدعين

1-بيئات داعمة داخل المؤسسات: تخفيف القيود الروتينية، منح المبدع مساحة للتجربة والخطأ.

2-تعزيز ثقافة الابتكار: تقدير الإنجازات علنًا، مسابقات، مبادرات تعليمية، وورش عمل.

3-توفير الدعم المادي والفني: برامج تمويل، استشارات تقنية، إرشاد مهني، شبكات اتصال.

4-منصات تواصل فعّالة: مؤتمرات، منصات إلكترونية، حلقات نقاش، لربط المبدعين بالجهات الداعمة.

5-التثقيف النفسي والمهني: مواجهة النقد والفشل بثقة، أدوات إدارة المشاريع، القيادة، واستراتيجيات التغلب على العقبات.

الرحلة الإنسانية

ليث يجلس تحت ضوء خافت، يفكر في كل فكرة أطلقها، في كل عقبة تجاوزها. الضوء والظل هنا رمز: الظل يمثل الخوف، الفشل، العقبات. النور يمثل الإبداع، الدعم، الفرصة. في لحظة تأمل، شعر أن كل خطوة، كل رفض، كل نقد، كان مجرد اختبار لصبره وتصميمه. تمامًا كما يقول بيتر دراكر: “الإبداع يحتاج إلى من يجرؤ على الوقوف في الظل حتى يشرق النور.”

دعوة للعمل

المبدع والفكرة مسؤولية جماعية. لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم دون أن يحتضن المبدعين ويمنحهم الفرصة. كم فكرة يمكن أن تغيّر مجرى حياة أمة لو رُعيت؟ كم مبدع يمكن أن يحدث فرقًا إن وجد من يؤمن به قبل الإنجاز؟ على المؤسسات والمجتمعات أن: تعيد النظر في السياسات والممارسات. تضع المبدع والفكرة في صميم الاهتمام. تخلق بيئة داعمة للنمو، الابتكار، والإنجاز. حينها، ستزدهر العقول، وتنبت الأفكار، ويصبح الإنسان شريكًا حقيقيًا للتغيير، لا مجرد متفرج. من يزرع اليوم بذرة فكرة، سيحصد غدًا شجرة تثمر معرفة وإبداعًا وخيرًا للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top