|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في عام 1981، توقف قلب واحد عن النبض، لكنه لم يوقف عجلة الحياة، فقد رحل الوالد تاركًا وراءه أسرة مكوّنة من أم و9 أبناء، أكبرهم على مشارف الجامعة، والأصغرون على أبواب الطفولة. لم تكن الأم مجرد أرملة في تلك اللحظة، بل موقفًا إنسانيًا متكاملًا، قوة تتجسد في عزمها، وعاطفة تُترجم إلى أفعال، وإرادة تحوّل الفقد إلى بداية.
كانت الحياة صعبة بلا أب، والأسرة بحاجة إلى من يقودها إلى برّ الأمان. لم تستسلم الأم، ولم تشعر باليأس، بل قررت أن تصنع رزقها بيديها، وأن تكون قدوة لأولادها، لا عبئًا عليهم. بدأت بتربية الدواجن والطيور في مزرعة صغيرة، وتفقيس البيض بنفسها، وتتلمس كل خطوة بعناية، كل بيضة فقست كانت درسًا في الصبر، وكل طائر يخرج من العش كان رمزًا للقدرة على النهوض بعد الصعاب. في السوق، كانت الأم تقف كل صباح، تحمل الطيور للبيع، مبتسمة رغم التعب، تتحدث إلى الزبائن وكأنها تقول للعالم: “أنا موجودة، أنا قادرة، ولن أكون عبئًا على أحد.” لم يكن الهدف مجرد رزق، بل تعليم الأبناء معنى الكرامة والعمل. لم تكن تعلم أن كل خطوة صغيرة من خطواتها ستنمو في نفوس الأبناء كجذور شجرة صلبة، تُثمر نجاحًا وتماسكًا وخلقًا متينًا.
الأيام مرت، والليل كان شريكها في السهر على أطفالها، تراقب دراستهم، وتعلمهم الصبر على التحديات. كانت لكل ابنٍ قصة، ولكل درسٍ أثر. الأكبر، على أبواب الجامعة، حمل على عاتقه حلم الأم وأمل العائلة، بينما الأصغرون كانوا يتعلمون أن الحياة لا تمنح شيئًا بلا جهد. في تلك الفترة، أصبحت الأم رمزًا للقدرة على الجمع بين العمل المنزلي والعمل المكشوف. لم يتوقف تعليم الأبناء على الحروف والكلمات، بل على معاني التضحية، والصدق، والانضباط، والاستقلالية. كانت تقول لهم: “من يريد أن يكون عظيمًا، عليه أن يبدأ من ذاته. من يريد أن ينجح، عليه أن يعمل بيده قبل أن يرفع عينيه إلى السماء.”
كل يوم كان يحمل تحديًا جديدًا، وكل تحدٍ كان يختبر قوة إرادتها. كانت الأم تحفر في الصخر، ليس بالكلام، بل بالأفعال. حين ينام الأطفال، تبقى الساعات التي بين غروب الشمس وغسق الليل لتفقيس البيض أو ترتيب السوق أو مراجعة أعمال الأبناء. وكل مرة كانت تبتسم، وكأنها تقول: “هذه هي حياتنا، وسنصنع منها ما يشبه حلمًا.” ومع مرور السنوات، بدأ الجهد يؤتي ثماره. تخرج الأبناء في تخصصات مختلفة، كل واحد يحمل ثمرة إصرار الأم وروحها. منهم من صار محاسبًا، وآخر مهندسًا، وآخر معلمًا، وبعضهم اختار مجالات الإدارة والتسويق والاقتصاد والعلوم، لكن القاسم المشترك بين الجميع كان الأخلاق المتينة والاعتماد على النفس والاحترام للآخرين. لم يكن النجاح مجرد شهادات أو مراكز، بل رسالة حية لكل من يظن أن فقدان الأب أو الظروف الصعبة يمكن أن تكون نهاية الطريق.
القصص الصغيرة داخل البيت كانت أكثر أثرًا من الإنجازات الكبيرة. حين يسأله أحدهم عن سر نجاحهم، يجيب الأبناء جميعًا بنبرة واحدة: “أمنا علمتنا أن نفشل لننهض، أن نجتهد لنحصل، وأن نعيش بكرامة لا تعتمد على أحد إلا على الله وعلى أنفسنا.” هنا تتجلى حكمة العظماء المجهولين الذين لم يُسجل اسمهم في كتب التاريخ، لكن كلماتهم كانت حاضرًا دائمًا في هذه الأسرة: “من فقس بيضة واحدة، تعلم أن العالم لا يفتح أبوابه إلا لمن يعرف الصبر.” – قول قديم لأحد الحكماء: “القلب الذي يتحمل الخسارة المبكرة، يصبح أقوى من كل مدرج من كلمات الثناء.”
وكانت الأم، بصمتها الرقيقة، تعلم أن النجاح لا يُقاس بما تحققه يدك من رزق، بل بما تُنميه في نفوس أولادك من قوة وعزيمة وصبر. لقد فهمت قبل غيرها أن المحبة بدون انضباط لا تصنع إنسانًا، وأن التضحية بدون تعليم لا تنبت جيلًا قادرًا على الحياة. مع مرور السنين، أصبح البيت مختبرًا للتجربة الإنسانية الكبرى، كل ابن يمثل فصلًا في كتاب الحياة، وكل قصة نجاح تمثل درسًا جديدًا للآخرين. وكل مرة يروي الأبناء القصة، يذكرون الأم كما إن كانت ملهمة غير معلنة في تاريخ الإنسانية: “لم نرَ في حياتنا مثالًا أقوى من يد أم تضرب الأرض لتخرج منها حياة.”
الأم، التي بدأت كل شيء بفقس بيضة في حضن الدجاج، علمت أن كل إنسان يبدأ صغيرًا، وكل حلم يحتاج وقتًا ليكبر. إنها لم تكتب سطورًا في كتاب، لكنها كتبت حياة بأكملها، حياة تُعلمنا كيف يكون الإصرار روحًا، وكيف يكون العمل جسرًا، وكيف يكون الحب للإنسانية فعلًا وليس شعارات. واليوم، بعد عقود، حين ينظر الأبناء إلى إنجازاتهم، يرون ظل أمهم يرافق كل خطوة. كل شهادة، كل وظيفة، كل نجاح، وكل مبدأ أخلاقي متين، يعكس قوة امرأة كانت تستطيع أن تنهار لكنها اختارت أن تنهض. وهنا يكمن الإلهام الحقيقي: أن الأم لم تكن مجرد شخص، بل مشروع حياة كامل. مشروع يتجاوز الأسماء والتواريخ، مشروع يربط بين الماضي والحاضر، بين الإرادة والفعل، بين الصبر والنجاح. وكل من يقرأ هذه القصة يدرك أن الإصرار الذي يُولد من الحب الحقيقي للآخرين هو أعظم قوة في العالم.
إنها حكاية حقيقية وملهمة، تجسد التضحية، العمل، الإيمان، والعقلانية العملية. حكاية أم فقست البيض فقس معه الإصرار، وبنت رجولة وأخلاقًا لم تعرفها الكتب، وحملت لأولادها رسالة عميقة: “لن تكونوا أبدًا عبءًا، بل نورًا يضيء الطريق للآخرين، طالما أنتم صادقون مع أنفسكم.” وهكذا، تبقى الأم، بعد كل هذا الزمن، رمزًا خالدًا للقوة والكرامة والعمل الصامت، مثالًا يُحتذى به لكل أم، لكل طالب، لكل إنسان يسعى لتجاوز الصعاب، ويثبت أن الحياة تُبنى بالعمل والصدق والصبر أكثر من أي إرث مادي. اللهم بارك في كل أم صبرت وأبدعت، واجعل جهودها في ميزان حسناتها، وارزق أولادها الإخلاص والنجاح، واملأ قلوبهم نورًا وعطاءً كما أضاءت قلوبها. اللهم اجعل حياتهم سبيل خير للآخرين، وارزقهم القوة والكرامة والعمل الصالح، ووفق كل من يسعى بالصدق والصبر لبناء مستقبل مشرق. آمين.