|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان الفجرُ يوشك أن يُعلن ميلاد يومٍ جديد، والمئذنة تُلقي بظلالها على سكون المدينة النائمة. نسيمٌ خفيفٌ يُداعب الوجوه، وصوتُ المؤذّن يمتدُّ رقراقًا في فضاءٍ نقيٍّ كأنما يُوقظ القلوب قبل الأجساد. دخلتُ المسجدَ وقد سبقني الخشوع إلى الصفوف الأولى، فوجدتُ الإمام قد رفع صوته بالآية الأولى من سورةٍ لم أكن أتوقّعها في ذلك الفجر الهادئ: “ويلٌ للمطفّفين.” توقّف قلبي لحظة، وشعرتُ أنّ الآية لم تُقرأ من فم الإمام، بل خرجت من داخلي أنا، كأنها كُتبت هذه المرة لا لتدين قومًا مضوا، بل لتُحاكم كل من بيده ميزانٌ في زمننا هذا. أدركتُ أنّ القيادة المؤسسية ليست سوى وجهٍ آخر من هذا الميزان، وأن التطفيف لا يكون في الكيل وحده، بل في القرار، في العدل، في النظرة، وفي توزيع الفرص بين الناس.
فجرٌ يُوقظ الضمير
ما أشدّ وقعَ الآية على من يعرف أنه مسؤول. فالإمام يقرأ، وأنا أسمع في داخلي أصواتًا خفيّة من كل مَن مرّوا في حياتي المهنية: موظّفٌ ظُلم تقييمه، متطوّع لم يُنصف جهده، قرارٌ اتُّخذ لحسابٍ لا يُرضي الله، ومديرٌ نام عن ميزان ضميره. كأنّ السورة تُلقي مصباحًا في دهاليز الإدارة الحديثة لتكشف لنا وجهًا آخر للتطفيف: أن تأخذ حقّك كاملًا في المؤسسة، وتُقصّر في حقّها، أن تطالب بالإنصاف، ولا تُنصف، أن تطلب الوفاء ولا تُقدّمه.
القيادة التي تستيقظ في الفجر
تذكّرت قول الغزالي: “إنّ الله يطلع على القلوب في الأسحار، فمن وجدها صادقةً رفعها، ومن وجدها لاهيةً تركها. فقلت في نفسي: لعل القيادة الصادقة لا تُستمدّ من كتب الإدارة ولا من دورات التدريب، بل من لحظة صدق في فجرٍ كهذا، حين يُراجع القائد نفسه لا موظّفيه، ويحاسب قلبه قبل أن يحاسب الآخرين. القيادة التي تستيقظ في الفجر لا تُطفّف في العدالة، لأنّها تعرف أنّ كل قرارٍ تكتبه يد الإنسان إنما يُرفع إلى السماء قبل أن يُرفع إلى مجلس الإدارة.
ميزان الأرض وميزان السماء
ما أكثر الموازين في حياتنا المؤسسية، ولكن ما أقلّها عدلًا. أحدهم يزن الناس بمراتبهم، والآخر بعلاقاته، وثالثٌ بما يُشبه المنفعة. ولو تذكّروا أن الميزان الذي بيد الله لا يُمال، لأدركوا أن العدالة ليست سياسة مؤسسية، بل عبادة قلبية. قال العقّاد يومًا: “القيادة ليست أن تُقاد إليك العقول، بل أن تُنهض بها القيم.” فأيّ قيادة تنهض بالقيم إذا نامت على تطفيفٍ مقنّن، أو على عدالةٍ يُزيّنها الورق وتفضحها القلوب؟
المؤسسة التي تصلّي
تمنّيتُ أن كل مؤسسةٍ في عالمنا تستيقظ يومًا كما استيقظتُ عند تلك الآية، لتعلم أن لها صلاةً خاصّة بها، ليست سجودًا ولا ركوعًا، بل عدلٌ في القرارات، وإتقانٌ في الأداء، وإخلاصٌ في النية. فالمؤسسة التي لا تصلّي لا تتقدّم، وإن كثرت مشاريعها، لأنّ الروح حين تغيب، يتحوّل العمل إلى جسدٍ بلا قلب. وقد قال الرافعي – وهو يصف سموّ العمل إذا اقترن بالإيمان – “العملُ بغير إيمانٍ عبادةٌ ناقصة، والإيمانُ بغير عملٍ أمانيّ كاذبة.” فما أحوجنا إلى أن نجعل من الإدارة عبادةً كاملة، لا نبتغي بها إلا وجه الله، لأنّ القائد حين يُراقب ربَّه في قراراته، لا يحتاج إلى من يُراقبه في مكتبه.
حين يصبح القرار صلاة
خرجتُ من المسجد والشمسُ تلمس الأفق بخيوطٍ خجولة، والمدينة تستيقظ على صوت الحياة. كنتُ أفكّر في تلك السورة التي جعلت من الفجر درسًا في القيادة. تساءلتُ: كم من قرارٍ إداريٍّ يُكتب اليوم ويُغضب الله؟ وكم من تقريرٍ يُرفع وفيه تطفيفٌ لا يُرى؟ وكم من قائدٍ يزن الناس بميزان الهوى ثم يتلو في الصباح: “ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟” تذكّرتُ قول الشيخ علي الطنطاوي: “ما من عدلٍ يقيمه البشر إلا وله في السماء شاهد.” فقلت في نفسي: نعم، إن العدالة في المؤسسة ليست أوراقًا ولا لوائح، بل شاهدٌ في السماء يكتب في صحف الأعمال قبل أن يُكتب في محاضر الاجتماعات.
العدل روح القيادة
كلّ قائدٍ يُطفّف – وإن لم يشعر – حين يُعطي نفسه أكثر من الآخرين في الثناء أو الفرصة أو المكافأة. وكلّ موظفٍ يُطفّف حين يأخذ الأجر الكامل دون الإتقان الكامل. إنّها دائرةُ تطفيفٍ كبرى لا تنكسر إلا بضميرٍ يراقب الله لا المدير. فصدق القائل: “العدل أساس الملك، وأساس العدل أن يعدل المرء في نفسه قبل أن يعدل في غيره.” هنا أدركتُ أن القيادة ليست موقعًا، بل ميزانًا، وأن القائد الذي لا يسمع في داخله كل فجر: “ويلٌ للمطفّفين”، لن يسمع صوت الضمير في نهاره.
القيادة بين الفجر والمكتب
ما أجمل أن يبدأ القائد يومه في بيت الله قبل أن يبدأه في مكتبه، وأن يحمل من نور الفجر ما يُضيء له دهاليز القرارات. فالفجر مدرسة القيادة الخفية، فيه تُدرَّس دروس الإخلاص، ويُلقَّن الصبر، ويُتلى كتاب القيم. تذكّرتُ هنا العقاد مرة أخرى وهو يقول: “العظمة ليست في أن تملك السلطة، بل في أن تملك نفسك حين تملك السلطة.” وهل من أعظم من أن يملك القائد نفسه عن التطفيف حين يملك القرار؟
المطففون الجدد
ليسوا الذين ينقصون الكيل، بل الذين يُنقصون قيمة الإنسان، ويُقلّصون مساحة الرحمة في مؤسساتهم، ويُضخّمون أخطاء الصغار ويتغافلون عن كبائر الكبار. هم الذين يُطْفِفون في الاعتراف بالجهد، وفي توزيع الفرص، وفي وزن القلوب بالثقة. هؤلاء – وإن لبسوا ربطة عنق العدالة – فإن الله يرى ما في الموازين الخفية. مصداقًا لقول: “من ظن أن العدل يُرى في المظاهر فقد جهل سرّ النور، فإنّ العدل نورٌ في القلب قبل أن يكون قانونًا في الأرض.”
القدوة التي لا تُطفّف
القائد القدوة هو الذي يزن نفسه في كل فجر قبل أن يزن الناس في كل يوم. هو الذي يعرف أنّ أعظم اختبارٍ للقيادة ليس حين تُكافئ، بل حين تُنصف. هو الذي يؤمن أنّ الإنصاف عبادة، وأنّ الكلمة في ميزان الله أثقل من الذهب في ميزان الدنيا. حين يقرأ القائد “ويلٌ للمطفّفين”، فإنّ عليه أن يُعيد النظر في كل توقيعٍ وقّعه، وفي كل تقييمٍ كتبه، وفي كل نفسٍ ظُلمت في مؤسسته. فربّ كلمةٍ بخسَت جهدَ إنسانٍ ترفع صاحبها يوم القيامة في منزلةٍ لا يُدركها أصحاب المشاريع الكبرى.
ختام الفجر وبداية النهار
خرجتُ من تأملاتي لأجد المدينة وقد امتلأت حياةً، والناس تمضي إلى أعمالها. لكن في داخلي فجرٌ آخر لا يزال يتّقد، وصوت الإمام يهمس من بعيد: “ويلٌ للمطفّفين.” فقلت في نفسي: اللهم اجعلني قائدًا لا يُطفّف في قراره، ولا يظلم في تقييمه، ولا ينسى أن وراء كل ورقةٍ روحًا، ووراء كل توقيعٍ حسابًا. وكتبت في مفكّرتي: القيادة التي لا تستيقظ مع الفجر ستنام عن العدل عند الظهر.
في ذلك الصباح، أدركتُ أن القيادة المؤسسية ليست علمًا يُدرَّس، بل ضميرٌ يُوقظ، وأن سورة المطفّفين ليست تحذيرًا للتجّار فحسب، بل تذكرةً لكل قائدٍ يمسك بميزانٍ من موازين الأرض. فمن وزن الناس بعدلٍ، وزنه الله برحمته. ومن طفّف في حقّ عباده، وُزن بعدله. اللهم اجعل كل قلبٍ يقود مؤسسةً يراعي فيه الميزان قبل أن يراعي الأوراق، ويزن فيه الناس قبل أن يزن الجداول، ويؤثر الحق على الهوى مهما كانت الأثمان. اللهم ارزق كل قائدٍ الحكمة التي لا تُطفّف، والنية الصادقة التي لا تزيّف، والقوة التي تُعينه على العدل حتى إن ضاق الطريق أو قلّ المدد. اللهم اجعل المؤسسات بيوتا للوفاء، والسجلات صفحات نور، والقرارات مرايا للضمير قبل أن تكون مذكرات للسلطة. واجعلنا جميعًا يا ربّنا، من تذكّروا الحق وأثروا به على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، كما علمتنا سورة المطففين أن العدالة والإخلاص هما ميزان كل قيادة، وأن الفجر يُشرق أولًا في القلوب قبل أن يُشرق في العالم