|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم تكن غزة يومًا مساحة على الخريطة، ولا صفحة في دفتر السياسة، ولا صندوقًا تُحفظ فيه الأحلام إلى أجلٍ غير مسمّى. كانت دائمًا روحًا تمشي، وصوتًا يعلو، ودرسًا يكتبه الله بيده على عين العالم. وحين تُعلن نتيجة الثانوية العامة فيها، فإن الأمر لا يشبه إعلانًا تقليديًا لنتائج تعليمية، بل يشبه إعلان قيام شعب من جديد، شعبٍ امتحنته الطائرات قبل الامتحانات، ووقف أمام لجان الحياة قبل لجان الوزارة، وكتب إجاباته بالحبر والدم والصبر. في غزة، نتيجة الثانوية العامة ليست رقمًا، ولا نسبة نجاح، بل نصًّا سماويًا يقول إن الإنسان أقوى من الحرب، وإن القلم قادر على أن يهزم السيف، وإن الطفل الذي خرج من بين غبار الدمار يحمل حقيبته المدرسية، هو أعظم من كل جيوش الأرض.
غزة التي تكتب بينما السماء تشتعل
في مدن العالم، يستيقظ الطلاب صباح الامتحان على منبه الهاتف، ويفتحون كتبهم للمراجعة، ويشربون قهوتهم على عجَل. أما في غزة… فيستيقظ الطالب على صوت الانفجار، يفتح عينيه فلا يجد سقفًا فوق سريره، يشرب الماء من زجاجة وضعتها الأم للطوارئ، ويتأكد أن القلم لم يُكسر وهو يركض إلى مكان أكثر أمنًا. أي امتحان يمكن أن يقيس هذا النوع من الإرادة؟ في كل مكان تُدرّس مادة اسمها “التربية الإسلامية”، لكن غزة هي التي كتبت المادة عمليًا: الإيمان حين يضيق المكان، اليقين حين تغيب الكهرباء، الصبر حين تكون المدرسة على مسافة قذيفة. يشعر القارئ من بعيد أنّ النجاح في غزة هو معجزة، لكن أهل غزة يعرفون الحقيقة: المعجزة ليست في النتيجة، بل في الطريق إليها.
الطالبة التي كتبت على ضوء شمعة
في شمال غزة، فتاة ترتجف يداها وهي تنسخ آخر ملاحظاتها على ضوء شمعة، تشعلها أمها كل يوم وتخاف أن تنطفئ. الليل طويل، والبرد والنار يتعاقبان كقدرين لا يرحمان. تكتبُ وهي تسمع خبر استشهاد صديقتها التي كانت تذاكر معها قبل أقل من شهر. تسأل نفسها: “هل أكمل؟” ثم تتذكر قول العقاد: “لن ينهزم إنسان عرف لماذا يقاوم.” فتكمل… وتجلس في لجنة الامتحان في صباح اليوم التالي، تتنفس الخوف من حولها، لكنها تكتب إجاباتها وكأنها تكتب وعدًا للأرض، هذه الطالبة حين تظهر نتيجتها، لا تحتفل… تبكي. لأن النجاح ليس فرحًا عابرًا، بل إعلان حياة في أرض يهددونها بالموت كل ساعة.
الطالب الذي حمل كتبه من تحت الأنقاض
طفل آخر في منطقة الوسطى، كان بيته قد دُمّر قبل الامتحانات بأيام. وقف فوق الركام يبحث عن دفاتر الرياضيات. وجد بعضها… مفحمًا. ومع ذلك قال لأبيه: “لا تخف، سأدرس… الحرب لا تفهم المعادلات، لكنها لن تهزمني.” تلك الجملة وحدها تكفي لتُدرّس في الكتب لقرون. إنها ليست شجاعة، بل يقينًا يشبه الذي تحدث عنه المسيري حين قال: “المقاومة ليست فعلًا عسكريًا فقط، بل فعل إنساني يحفظ المعنى.” وحين ظهرت نتيجته، جاءه معلموه إلى مكان النزوح، ليسلموه شهادة تُشبه ورقة عادية، لكنها بالنسبة إليه أكبر من علم دولة. إنه يقول للعالم: “من بين الأنقاض خرجت… ومعي حلمي.”
أمٌّ تنتظر النتيجة… ولا تدري إن كان ابنها سيعود
هناك أم في جنوب القطاع، تضع يدها على قلبها وهي تسمع القوائم تُعلن عبر الإذاعة المحلية، تنادي على ابنها بالاسم. ابنها لم يعد منذ أسبوع. ذهب ليحضر ماءً ولم يرجع. لكن الأم لا تزال تنتظر النتيجة، لأن الأمومة في غزة ليست كالأمومة في أي مكان آخر. هي تُمسك بحرف اسم ابنها كما إن كان بحبل نجاة. وعندما يعلن المذيع اسمه بين الناجحين، تنفجر بالبكاء… لا لأن ابنها نجح، بل لأنها فهمت شيئًا لم يفهمه أحد: أن النجاح في غزة هو قُبلة من الله على جبينٍ لم يعد حيًا على الأرض، لكنه حيٌ عنده.
غزة حين تتحدى الحرب بالعلم
يقول إبراهيم الفقي: “إذا أردت أن تعرف قيمة الإرادة، فراقب إنسانًا ينهض من تحت الحطام ليكمل حلمًا كان يمكن أن يتخلى عنه.” ولعل غزة تكتب هذا الدرس منذ سنوات، لكنها هذا العام كتبته بمدادٍ جديد…
مداد الحرب والرماد والدموع. المدارس في غزة ليست مباني، بل مواقع صمود. والمعلم في غزة لا يعطي درسًا… بل يعطي معنى. والطالب لا يجيب على الأسئلة… بل يجيب على العالم: “أنا موجود… رغم أنكم تحاولون أن تجعلوني غير موجود.” حين تُعلن نتيجة الثانوية العامة في غزة، فإن السؤال لا يكون: “كم نجحوا؟” بل يكون:
“كم صمدوا؟” الأرقام هنا ليست مؤشرات تعليمية، بل مؤشرات حياة.
معنى أن تجلس لامتحان في غزة
أن تجلس لامتحان في غزة يعني: أنك اخترت الحياة رغم أن الموت أقرب. أنك تتمسك بالقلم رغم أن البنادق أعلى صوتًا. أنك تحفظ دروسك رغم أنك تسمع أخبار الشهداء كل يوم. أنك تكتب مستقبلًا في أرض يحاولون أن يكتبوا عليها النهاية. الورقة التي يُسجل فيها الطالب اسمه ليست مجرد ورقة. إنها وثيقة تثبت أنه ما زال يؤمن أن غدًا يمكن أن يكون أفضل، حتى إن أقنعه العالم كل يوم بالعكس.
وما بعد النتيجة؟
في مدن أخرى، يحتفل الطلاب بالنجاح ثم يفكرون أي تخصص سيدرسون، وأي جامعة سيدخلون، أما في غزة، فالطالب يحتفل لأنه باقٍ. يفكر: هل يستطيع أن يغادر لإكمال الدراسة؟ هل ستفتح المعابر؟ هل سيجد جامعة قائمة أصلًا؟ ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر جمالًا: هل سيستطيع أن يردّ الفضل لأمه التي انتظرت على ركام البيت؟ لأبيه الذي باع آخر ما يملك ليشتري له كتبًا؟ للمعلم الذي يدرس طلّابه تحت ظل شجرة بعد قصف المدرسة؟ إن النجاح في غزة ليس خاتمة، بل بداية أسئلة جديدة… أسئلة تصنع أمة.
رسالة غزة للعالم
النتيجة التي يُعلنها وزير التعليم هناك ليست نتيجة لطلاب غزة فقط، بل نتيجة للعالم كله: من الذي انتصر؟ الطائرات أم الكتب؟ القنابل أم الشموع؟ الحصار أم الإصرار؟ غزة تقول: “أخطأتم العنوان… نحن لا نُهزم.” ومن يراقب تفاصيل الحياة هناك، يعرف أن صمود غزة ليس صمودًا جسديًا فقط، بل صمود معنى، صمود روح، صمود يقين. إن غزة لا تدافع فقط عن أرضها… بل تدافع عن مفهوم الإنسان ذاته.
عندما تصبح النتيجة وثيقة تاريخية
بعد سنوات، عندما تُدرس أحداث هذه المرحلة في الجامعات العالمية، سيُقال: “في عامٍ من أعوام الحرب، اجتاز طلاب غزة امتحانات الثانوية العامة بنسب مرتفعة رغم الدمار.” لكن المؤرخين لن يكتبوا ما نكتبه نحن الآن… لن يكتبوا أن الأطفال كانوا يذاكرون تحت القصف، أن البنات كن يكتبن الواجبات على ضوء النار، أن بعض الأمهات قدمن أبناءهن شهداء قبل أن يروا نتائجهم. الوثيقة الحقيقية ليست الشهادة المطبوعة، بل الحكايات… والحكايات لا يكتبها المؤرخون، بل أصحابها.
غزة… ومعنى أن يبقى الإنسان إنسانًا
أكد المسيري في كثير من كتاباته أن المشروع الاستعماري يهدف قبل كل شيء إلى نزع إنسانية الإنسان. لكن غزة، بطلابها وكتبها ودموع نسائها، تقول ما يخالف ذلك: “يمكن أن يأخذوا منا الكثير… لكنهم لا يستطيعون أن يأخذوا الإنسان فينا.” ولهذا، فإن نتيجة الثانوية العامة في غزة ليست حدثًا، بل حجة. حجة على أن الروح التي خلقها الله لا تُكسر. حجة على أن الصبر قوة أكبر من الجيوش. وحجة على أن العلم ليس رفاهية، بل سلاح من نوع نادر: سلاح لا يستورد من الخارج… بل يولد من الداخل.
قبل الختام
لأن هذا النص لا يُكتب بقواعد اللغة، ولا بمعجم البلاغة، ولا بمهارات السرد. إنه يُكتب بشيء واحد فقط: روح عاشقة للحق. ولأن غزة، بكل ما فيها، ليست موضوعًا، بل عهدًا… ولا يكتب العهد إلا من يفهم معناه. ولأن نتيجة الثانوية العامة في غزة ليست ورقة، بل تاج صمود على رأس أمة كاملة. ولهذا، فإن هذا المقال ليس خبرًا، ولا قصة، ولا تحليلًا… إنه شهادة. وشهادة الحق لا يمكن أن يكتبها إلا من يضع قلبه قبل قلمه. وغزة… غزة وحدها تعرف كيف تُملي هذا النوع من المقالات.
الختام: حين ينجح ابن … فتفرح غزة كلها
وفي زاوية من زوايا غزة التي لا تزال تعرف كيف تبتسم رغم جراحها، ارتفعت زغاريد بيت صغير في الخِيران، بيتٍ تعلّم الصبر قبل أن يتعلم الحساب واللغة والفيزياء. بيتٌ ظلّت أمهاته يخفين الدموع عن الأبناء لئلا تتسرب الهزيمة إلى صدورهم، وظلّ آباؤه يخبئون قلقهم خلف كلمات الطمأنينة وعبارات الثبات. وعندما ظهرت النتيجة… وعندما رأوا اسم ابنهم ضمن الناجحين… انفجر البيت بالفرح كما أن غزة كلها دخلت عليهم. ضحكت الأم حتى بلّلت دموعها الخدّين، ورفع الأب يديه إلى السماء يشكر الله الذي جعل من بين الركام بابًا يفتح على الغد. أما الأخوة فقد ركضوا إلى الشارع، يخبرون الجيران، كأن النتيجة ليست لابن واحد، بل لابن الخيران كله. في الخيران، الفرح لا يخص بيتًا واحدًا… النجاح يُقسّم كما تقسم الأرغفة في وقت الشدة. وحين ينجح ابن واحد، يشعر الجميع أن مستقبلهم قد نجح معه.
تأتي الجارات بالتمر والقهوة، ويأتي العمّ بمصافحةٍ يعرف فيها معنى أن يكون النجاح نصرًا لا شهادةً فقط، ويأتي الأطفال يضحكون لأنهم يؤمنون بأن هذا الشاب الذي نجح اليوم سيحملهم غدًا إلى مستقبل أجمل. كانت تلك اللحظة أشبه بقطعة ضوء خرجت من قلب الليل… لحظة تقول للعالم كله: إن غزة تستطيع أن تفرح رغم كل شيء، وأن أبناء الخيران يعرفون كيف يرفعون راية الحياة مهما أثقلت السماء عليهم، وأن نجاح ابن واحد هو بركة لأمة كاملة، وإعلان بأن الجيل القادم أقوى من كل محاولات الانكسار. وهكذا…اختُتمت قصة العام بفرحٍ يليق بغزة، فرحٍ يبدأ من بيت صغير في الخيران… ثم ينتشر كما ينتشر الياسمين بعد المطر،ليقول: ما دام في غزة أبناء كهؤلاء… فلن تنطفئ الروح أبدًا.