القيادة وزيارة القبور

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في هدوء الفجر، حين تتسلل خيوط الشمس الأولى عبر زوايا المدينة، ويخفت صدى الحياة من حولنا، شعرتُ بأن لكل قلبٍ مسؤولية، ولكل قرارٍ أثر، ولكل قائدٍ امتحان. كانت خطواتي متثاقلة بين أزقة المقبرة، حيث قبورٌ تتوارى تحت ضوء الفجر الخافت، تحمل في صمتها شهادات حياة وانقضاء، وذكريات من عاشوا مسؤولين أو عبيدًا للهوى. هذا الصمت، لم يكن مجرد سكون الأرض، بل مرآة للقيادة، وأداة تأمل لكل من يُمسك بزمام المسؤولية. هناك، بين القبور، يُختبر القائد ليس بما يقول، بل بما ترك وراءه. كل قرارٍ اتُّخذ، كل وعدٍ وُعد، كل ظلمٍ وقع أو عدلٌ تحقق، يظهر في صمت الأرض قبل أن يظهر في سجلات الإدارة.

الفجر والضمير

كما قال الغزالي: “راقب قلبك في الصباح قبل أن تراقب الناس في العمل، فإن القلب خاضعٌ لأقوال الله قبل أن يخضع لأقوال البشر.” حين وقفت أمام قبرٍ قديم، شعرت أن القيادة ليست في السلطة ولا في المراتب، بل في الوفاء للمبادئ، والعدل قبل الحساب، والإخلاص قبل الثناء. كل مقعد في المكتب، كل توقيع على وثيقة، كل تقييم للموظف، هو اختبار أخلاقي قبل أن يكون إداريًا.

درس القبور

القبور تعلمنا شيئًا لم تُعلّمه الكتب: أن كل شيء فانٍ إلا العمل الصالح والضمير المستقيم. عندما تزور القبور، تسمع بين طيات الصمت همسًا يقول: “هل كنت صادقًا في إدارة ما أُوكل إليك؟ هل وزنت الناس بعدل، أم طفت في حقهم كما يطفّف المطفّفون؟” القيادة الحقيقية، كما أدركت في هذا الصباح، ليست في الاجتماعات المملوءة بالكلمات، بل في القرارات الصغيرة التي قد لا يراها أحد، في الاعتراف بحق الآخرين قبل الاعتراف بنفسك، في الإنصاف قبل المكافأة، وفي مراقبة الله قبل مراقبة المدير.

الإنصاف في الميزان

سورة المطففين لم تُقرأ عبثًا، فالآية: “ويل للمطففين” تتجاوز مجرد التجارة إلى كل علاقة يقيمها الإنسان مع الآخرين، بما في ذلك القيادة. إن كان القائد يطفّف في حقوق موظفيه، أو يقلل من جهود فريقه، أو يضيع كرامة أحد، فهو في الحقيقة قد وقع في نفس التطفيف الذي حذر منه القرآن. العقاد يذكرنا دائمًا: “العظمة ليست فيما تملك، بل فيما تعطيه من عدل ونزاهة.” وهنا يظهر الفرق بين القائد الذي يوقظ ضميره مع الفجر، ويُقيم ميزانه كما يُقيم الله الميزان، وبين القائد الذي ينام عن الروح ويعيش على التظاهر والإحصاءات.

زيارة القبور مرآة للقيادة

كل قبر يحمل درسًا، وكل هدوءٍ بين القبور يعلمنا الصمت قبل الكلام. رأيت في الصمت قيادةً لا تشوبها الرياء، عملًا لا يطفّف، وعدًا لا ينكسر، ومبدأً لا يزول. هناك، بين القبور، تتوضح الرؤية: القيادة ليست عن السيطرة، بل عن الأمانة والمسؤولية والإخلاص. الطنطاوي رحمه الله قال: “الموت يذكرنا بأننا لن نأخذ شيئًا معنا سوى ما تركناه من خير في الآخرين.” كل قرارٍ قيادي يُتخذ بدون عدل، كل ظلمٍ صُنع، كل تقصيرٍ في الوفاء بالمسؤولية، يظهر في قبره قبل أن يظهر في سجل التاريخ.

الفجر، الروح، والإلهام

في لحظةٍ كهذه، حين كانت الشمس تشرق بخجلٍ، شعرت أن كل قرار في حياتي المهنية مرتبط بما يُقرأ في الفجر. القيادة التي لا تستيقظ مع الفجر لا تراقب روحها، ومن لا يراقب روحه لن يراقب عمله. كل اجتماع، كل مشروع، كل توقيع، يجب أن يُراجع كما نراجع أنفسنا عند زيارة القبور، لنرى هل نحن نوزن الناس بعدل أم نطفّف؟ هل نقدر المجهود أم نهمله؟ هل نؤثر الحق على الهوى أم نختبئ خلف مبررات واهية؟ صدق من قال: “من أثر الآخرين على نفسه ولو كانت به خصاصة فقد بلغ أعلى درجات الإنسانية.” القائد الذي يضع مصالح فريقه قبل مصالحه، ويعطيهم الوفاء قبل أن يطالبوا به، هو القائد الذي يترك أثرًا خالدًا، تمامًا كما يترك الصالحون وراءهم ذكرًا في القبور.

الأثر المستدام

زيارة القبور تعلمنا أن القيادة الحقيقية أثر مستدام، لا يُقاس بمدى الإنجازات الظاهرية، بل بمدى تأثيرها في الناس بعد رحيل القائد. الرافعي يقول: “كل عملٍ لم يزرع في نفوس الناس خيرًا فقد ذهب هباء.” القائد الذي يتعلم من الصمت والقبور، يزرع الخير قبل أن يغادر، ويترك وراءه مؤسسةً وقيمًا لا يمحوها الزمان. فاللهم اجعل كل قائدٍ يزور مقبرةً أو يقف لحظة صمت، يخرج منها بقلبٍ أرق، وضميرٍ يقظ، وقرارٍ منصف. اللهم ارزقنا جميعًا القدرة على القيادة بلا تطفيف، والوفاء بلا رياء، والإخلاص بلا كلل. اللهم اجعل مؤسساتنا بيوتًا للعدل، وسجلاتنا صفحات نور، وقراراتنا مرايا للضمير قبل أن تكون أوراقًا رسمية. واجعلنا يا رب، كما أرشدتنا سورة المطففين، من الذين يزنون بالعدل، ويؤثرون الحق على الهوى، ويتركون وراءهم أثرًا صالحًا، في الأرض والسماء معًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top