القيادة حين تمتحن بالمنّ والأذى

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

وما أدراك ما المنّ والأذى! ليس كل من أسدى معروفًا صمت عن ذكره، ولا كل من نال معروفًا عرف شكره. وبين المنّ والجحود، تتكشف معادن الرجال، وتنكشف حقيقة القيادة: هل هي سلطةٌ تتغذى من التملك؟ أم أمانةٌ تُزهِر بالعطاء الخفي، وتأنف من ذكر الجميل؟ لقد جُرّب المنّ، كما جُرّب الأذى. جرّبناه في العمل، في الأسرة، في الطريق إلى الله، وفي مسيرة المؤسسات. جرّبناه حين ظنّ بعضهم أن العطاء يُبقي الناس عبيدًا، وحين ظنّ آخرون أن الصمت عن المعروف ضعف. لكنّ القيادة الحقّة تعرف أن العطاء إن لم يُقدَّم لله، عاد على صاحبه وبالًا، فقال الغزالي: “المنة تُبطل الصنيعة، كما تبطل الرياءُ العمل الصالح.” وقال الرافعي: “الجميل الذي تذكره يضيع، والجميل الذي تنساه يبقى.”

امتحان النفوس قبل اختبار الكفاءات

القيادة ليست مقعدًا ولا توقيعًا، إنها مرآة للنفس، لا تنعكس فيها الأرقام، بل القيم. فما أكثر القادة الذين صنعوا إنجازات مبهرة بأيدٍ ترتجف من الداخل! وما أعظم أولئك الذين لم يتركوا أثرًا مكتوبًا، لكنهم كتبوا في قلوب الناس أثرًا لا يُمحى. في حديثه عن القيادة الأخلاقية، قال مالك بن نبي: “كل قيادة لا تنبع من فكرة، هي جثة متحركة.” فالقائد الذي لا يستند إلى ضوءٍ من الداخل، سيتقلب بين المنّ والأذى كمن يتأرجح بين ظلٍّ وحرور. والقيادة التي لا تتطهّر من ذاتها، ستوزّع الجميل بلسان، وتسترده بطرف عين.

القيادة حين تمرّ على المقابر

يا للعجب! حين يمر القائد بالمقبرة، يدرك متأخرًا أن الذين دفنوا هنا كانوا يومًا ما رؤساء وأتباعًا، أغنياء وفقراء، معروفين ومجهولين، لكن لم يبقَ لهم إلا ما كان لله. ألا ترى أن القبور تسوّي بين الألقاب كما تسوّي بين الأجساد؟ لا رئيس هناك، ولا مرؤوس، لا متفضل ولا متمنن. فكل من في القبور طُوي سجلّه، ولم يبق إلا ما نُقش في صحائف الصدق. هنا تتجلى أعظم دروس القيادة: أن من يقود اليوم سيُقاد غدًا إلى قبره. وأن المنّ على الناس زائل، لأن الله وحده هو المنّان الباقي. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “أحب الناس إليّ من رفع إليّ عيوبي.” وقيل للشافعي: “كيف ترى الناس؟” فقال: “أرى نفسي مقصرًا، فلا أرى في الناس إلا فضلًا”. وهكذا القائد حين يزور القبور، يتطهر من ظنّ الامتنان، ويستبدله باعتراف عميق: أن كل فضلٍ نُسب إليه إنما هو ستر من الله.

بين القيادة والمنة خيط من نور

القائد الحق لا يمنّ، بل يُمنّ عليه أن وُفّق للعطاء. فهو يرى في خدمته شرفًا، لا منّة. وفي عطائه زكاة، لا فضلًا. وفي تواضعه كرامة، لا ضعفًا. يقول ابن القيم: “من عرف الله استحيا أن يرى نفسه محسنًا، بل يرى إحسانه توفيقًا، وإساءته عدلًا.” تلك المعادلة التي لا يكتبها إلا من خَبِر الألم والعظمة معًا. القيادة ليست فن الإدارة فحسب، بل هي فن النجاة من النفس. ومن لم ينتصر على غروره، فلا فضل له ولو قاد ألف مشروع.

حين تتطهّر من أذى القول وفخر الإنجاز

كم من قائدٍ قتل عمله بكلمةٍ أذاعت المنّ، وكم من موظفٍ أضاع حقه بصمتٍ جاحد. لكن القائد الناضج يدرك أن تربية النفوس أعظم من تسيير الاجتماعات. وأن القوة في العفو أحيانًا، أشد من القوة في الأمر. حين كتب الرافعي إلى أحد أصدقائه قال: “ليس الكبار من تصدروا الناس، بل من تجاوزوا عنهم وهم قادرون على ردّ الأذى.” وهنا تختبر القيادة حقيقتها: هل هي ردّ الجميل، أم ردّ الفضل إلى الله؟ هل هي تذكير بالمنن، أم ستر لها حتى لا تفسد ثوابها؟

حين تنطفئ الأضواء وتبقى الأعمال

في نهاية المسيرة، بعد أن يهدأ ضجيج الاجتماعات ويغيب التصفيق، لن يبقى إلا أثر الكلمة الطيبة، وصدق النية، وسجدةٍ بكى فيها القائد خوفًا من أن يفتنه المنصب، سيأتي يوم تُدفن فيه الملفات مع أصحابها، وتبقى القلوب التي أحسّت، والوجوه التي لم تؤذِ، والأيدي التي أعطت دون أن تتحدث. هناك، عند أول لحد، سيتذكر القائد أنه لم يكن قائدًا إلا بمقدار ما قاد نفسه عن المنّ والأذى. وسيدرك أن أجمل خطاب قيادي هو ذاك الذي ختمه الله بقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. القائد الذي يزرع ولا يذكّر الناس بما زرع، يُخلّد في ذاكرة القلوب قبل أن يُكتب في سجلات المؤسسات. أما الذي يمنّ، فقد كتب نهايته بيده، ولو لم يعلم. قال الحسن البصري: “لا يزال المعروف خفيفًا حتى تمنّ به، فإذا مننت به ثقل.” وهكذا القيادة: إن لم تكن نبعًا من رحمةٍ خفية، كانت مظهرًا من غرورٍ جليّ. ومن طهّر نفسه من الأذى، ساقه الله ليقود باللين لا بالمنّ، وبالرحمة لا بالرياء. فهل ترى؟ إن القيادة والقبور لا يجتمعان عبثًا في مقالٍ كهذا، فالأولى تذكّر الإنسان بعلوه، والثانية تذكّره بمنتهاه. وبينهما، يمضي القائد المؤمن لا يمنّ ولا يؤذي، بل يقول في سرّه كما قالها الصالحون من قبل: “اللهم اجعل عطائي سترًا لي، لا سيفًا على غيري، واجعل ذكري في الأرض صدقًا، لا صدىً.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top