ليلة خالد العتيبي بين الدهشة والكرم والإنسانية

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

في مساءٍ دافئ من مساءات الكويت، مساء الأربعاء 19 نوفمبر 2025، عقب صلاة العشاء، كان للزمان مشهد آخر، ولمعناه نبرة مختلفة. الليلة ليست ليلة عرس فحسب، بل ليلة تفيض بالإنسانية، بالسعة، بالكرم، وبذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يحسّ أنه يتحرك بين الناس بقلب مطمئن… وكأن الهواء نفسه يقول له: تعال، الليلة فرح، والقلوب أكبر من المكان.

بدأت الحكاية بسؤال بسيط من صديق، سؤال بدا عاديًا لوهلة، لكنه فَتح بابًا من المعاني: “تنوي تشارك بعرس خالد العتيبي؟ ولد العزيز غازي… ولد شقيق بو مرزوق سعد؟”  لم أكن سمعت بالدعوة بعد، فاستفسرت، فجاء الرد: موجودة بالحالة عند بو مرزوق سعد نفسه. قلت فورًا دون تردد: وجبت المشاركة. اندهش الصديق من سرعة الموافقة، كأنني قررت السفر لا الحضور. سألني: “ما وصلت لك دعوة خاصة!؟” فأجبته بالجواب الذي لا يفهمه إلا من أدرك معنى المودّة الأصيلة: “أما وأن عَلِمت… فعليَّ أن ألبّي. وكأنها وصلتني على الخاص.” الدعوة في الأصل ليست ورقة، بل شعور. وليست رسالة هاتف، بل صدى محبة. وليست اسمًا مطبوعًا، بل نية صافية. وهنا تذكرت حكمة الإمام ابن القيم رحمه الله إذ قال: “القلوب تُقبِل حيث تشعر بالصدق، وتفرُّ من التكلّف.” وهذا العرس لم يكن فيه تكلف… بل صدق، نقيّ مثل ضوء فجر.

حيث يبدأ الفرح قبل الوصول

اتجهتُ برفقة صديق إلى منطقة العقيلة، إلى صالة الفيصلية. وفي الطريق كنت أشعر بشيء يشبه الانشراح… كأن القلب يسبق الخطوات. ومع الاقتراب من المكان، ازدادت المشاعر دفئًا… فكلما اقتربت السيارات، وكلما اشتد الازدحام، كلما أحسست أن الفرح يتمدد على الطرقات، وأن الوجوه تتهيأ لاستقبال ليلة جميلة. كانت السيارات مصطفّة في كل الاتجاهات، من مختلف الأعمار، من الشباب الكويتي إلى كبار السن، من الرجال الذين تشع من وجوههم خبرة السنين، إلى الشبان الذين يملؤون المكان بروح حيوية لا توازيها إلا بهجة المناسبة. ابتسامات واسعة… أرواح عالية… قلوب مفتوحة. هكذا تبدأ الأفراح التي يكون أصلها “نقاء أهلها”. وكنت أتذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ما عاقبتَ من عصاك بمثل أن تُحسن إليه.” وأقول في نفسي: وما أعظم أن تُحسن إلى من أحسن إليك بالدعوة، ولو كانت دعوة قلب قبل أن تكون دعوة حضور.

روائح الكرم

عند المدخل فتحت الضيافة أبوابها قبل أن نفتح نحن أيدينا للمصافحة. القهوة العربية تسعى، لا تحتاج أن تُطلب. الكرك، الدارسين، الروائح المتنوعة، الحلويات، التمور… كأن المكان يتنفس كرمًا. ولا عجب… فالكرم في بيوت العتيبي ليس عادة، بل هوية. هوية تُصنع قبل الطعام، في السلام، في البسمة، في طريقة التقديم، في حفاوة الوجوه. وتذكرت الإمام علي رضي الله عنه حين قال: “الكرم أن تبدأ بالعطاء قبل السؤال. “وهذا بالضبط ما كان في تلك الليلة… فالضيافة سبقت الطلب، والابتسامة سبقت السلام.

الإنسان قبل الاحتفال

في الأجواء كانت هناك لقاءات تشبه لحظات القدر: أشخاص لم أرهم منذ سنوات، التقينا فجأة، وكأن هذه الليلة كُتبت لكي تجمع ما تفرق، وتعيد الود حيث كان، وتؤكد أن الأيام لا تُهدي اللقاءات إلا في مواسم الفرح. وكان هناك شيء جميل آخر… ذلك الجو العائلي الذي يجعل الضيف يشعر أنه ابن الدار وليس ضيفًا عليها. نبرة الأصوات… الضحكات… تبادل السؤال عن الحال… كلها مشاهد اجتماعية نقية تذكرنا بكلمات الإمام الشافعي: ” اللقاء أحيانا دواء” وفعلًا… بعض اللقاءات تشفي القلب دون أن تفعل شيئًا سوى أن تكون.

الوقار قبل الفرح

وعند التهنئة، كان المشهد لوحة: في المقدمة بو مرزوق سعد العتيبي، بالبشت، بالهيبة الوقورة، بسمته الهادئة الرفيقة التي تحمل تاريخًا من الأصالة، كأنه عنوان من عناوين المجالس الكويتية الأولى. وبجانبه متعب ابن الخال شجاع -رحمه الله- حضورًا ومعنى. ثم والد العريس، غازي بو مرزوق، رجل إذا مرّ قال الناس: “هذا رجل طيب دون أن يتكلم” هدوء، أدب، وطمأنينة لا تصنعها الكلمات بل يصنعها القلب. . تقف أمامه فتشعر بأنك أمام رجل جمع بين الحفاوة والاتزان، ثم العريس، خالد، محاطًا بفرحة أهله، كأن الليل يكتمل بوقوفه بينهم.

يدعوكم غازي العتيبي وإخوانه

 كلمة تهز القلب، كانت من أجمل ملامح الدعوة تلك العبارة: “يدعوكم غازي العتيبي وإخوانه” يا الله… ما أرقّها! ليست مجرد إضافة… بل معنى. هي روح البيت، وحدة القلب، صدق الأخوة، ودلالة على أن الفرح لا يُقام باسم فرد، بل باسم عائلة. وكأن الدعوة تقول: نحن ندعوكم… لأن الفرح لا يكون كاملًا إلا بكم. وهنا أستذكر قول: “اليد الواحدة لا تصفق”. فكيف إذا اجتمعت الأيدي والإخوة والقلوب في مناسبة واحدة؟

الكرم يعيد تعريف نفسه

ومع اقتراب الساعة من الثامنة، حدث ما يشبه الإعلان عن فصل جديد من الكرم: دوّى جرس العشاء… لا على طريقة واحدة، بل على طريقتين: الأولى: العشاء العربي على الأرض، كما هو كرم البادية الأصيلة، بطبقته التي تحمل الترحيب أكثر مما تحمل الطعام. الثانية: البوفيه المفتوح بكل أنواعه، لمن أراد التنوع والراحة. هذا ليس مجرد تقديم طعام… هذا تقديم روح. تقديم انتماء. تقديم هوية صافية. ومن جمال الليلة أن المسجد المجاور كان مفتوحًا… وما إن رأيت ذلك حتى أحسست أن المنطقة كلها – ببيوتها، طرقها، ناسها – تفرح بالعرس. وكأن الدعاء متصل بالفرح، والفرح متصل بالمحبة، والمحبة متصلة بالزواج الجديد الذي يبدأ من ليلة عامرة بالخير.

حين يشعر القلب أنه كبر قليلًا

بعد الساعات التي مضت، خرجتُ وأنا أقول في داخل نفسي: ما أجمل أن يعيش الإنسان الفرح لا كمدعو فقط، بل كجزء من الروح التي تُحييه. وما أجمل أن يلتقي الناس على الخير دون تكلف، دون مبالغة، دون انتظار دعوة خاصة… فبعض البيوت لا تحتاج دعوة لتدخلها… تحتاج فقط أن تعلم أنك مرحب بك فيها.

ختام يليق بهذه الليلة المباركة

اللهم يا واسع الفضل، يا من تجمع القلوب على الخير، نسألك أن تجعل زواج خالد بن غازي زواجًا مباركًا، وأن تكتب له ولزوجته سعادة دائمة، ومودة صافية، ورحمة لا تنقطع. اللهم اجعل أيامهما خيرًا من يومهما، واجعل بينهما السكن والمودة والرحمة، وبارك لهما وبارك عليهما، واجمع بينهما على خير، واصرف عنهما كل سوء، وافتح لهما أبواب الرزق والبركة والذرية الصالحة. اللهم اجعل هذه الليلة بداية فرح لا ينتهي، وأيامًا مقبلة لا تحمل إلا الطمأنينة والرضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top