|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان المساء هادئًا على نحوٍ يليق بالأمان. نجومٌ تلمع فوق سماءٍ لم تعرف بعد معنى الصراخ، وطفلٌ يركض في باحة بيته، تتبع خطواته ضحكاتٌ تتدحرج على أرضٍ ناعمةٍ كالسلام. في مكانٍ آخر – لا تضيئه سوى ومضات القصف – كان طفلٌ آخر يحاول أن يغفو على صوت أنين الأرض. أحدهما وُلد تحت سقفٍ من الطمأنينة، والآخر بين جدرانٍ سقطت من التعب. لم يلتقيا يومًا، لكن القدر رتّب لهما موعدًا لم يُسجَّل في التاريخ بعد.
جلس الطفل الآمن أمام شاشةٍ صغيرة، يتصفح صورًا في أحد التطبيقات، فاستوقفه وجهٌ مغبرٌّ يحدّق فيه بعينين واسعتين، كأنهما سؤال لا يجد جوابًا. تردد لحظة، ثم كتب رسالة: “هل تسمعني؟ هل هذا أنت حقًا هناك؟” تأخرت الإجابة قليلًا، قبل أن تأتي مكتوبةً بخطٍ متعبٍ كصاحبه: “أسمعك… وإن كانت الأصوات من حولي لا ترحم.”
تجمّد الطفل الأول، شعر بأن قلبه انكمش. كتب سريعًا: “هل أنت بخير؟” جاءه الردّ الذي لم يكن يتوقعه: “بخير؟! كلمةٌ لا نملكها هنا، لكنها جميلة… حدّثني عنها.” صمت الطفل الآمن طويلًا، كأنه يبحث في ذاكرته عن تعريفٍ للراحة، عن معنى الأمن الذي يعيش فيه ولا يشعر به. ثم كتب: “ال بخير يعني أن يكون بيتك آمنًا، ووالداك بخير، وأن تستيقظ على صوت أمّك لا على صفّارة إنذار، وأن تذهب إلى مدرستك دون أن تخاف الطريق.”
ردّ الطفل المشرد بعد تنهيدةٍ مرئيةٍ بين الحروف: “مدرستي كانت حجارةً، والآن صارت رمادًا. أبي اختفى منذ عامٍ، وأمي لم تعد قادرةً على البكاء. نحن نصحو على أصواتٍ تُذكّرنا أننا ما زلنا على قيد الحياة، فقط لنخاف أكثر.” تجمّد الطفل الآمن، لم يعرف ماذا يقول. أحسّ أن الكلمات لا تليق بهذا الألم. كتب بعد ترددٍ طويل: “كنت أشتكي أمس لأن والدي لم يشترِ لي اللعبة التي أريدها…”
ضحك الطفل المشرد بخفةٍ مؤلمة، وقال: “وأنا كنت أحلم بلعبةٍ منذ عامين، لكني حين وجدت كرةً مشققةً في الركام، وضعت فيها بعض القطن، وصرت أرميها إلى السماء لأشعر أني ما زلت طفلًا.” توقف الزمن بينهما لحظة. كلاهما لم يعد كما كان قبل هذا الحوار.
كتب الطفل الآمن بصوتٍ يختلط فيه الخجل بالدهشة: “ألا تخاف؟”
أجاب الطفل المشرد: “الخوف صار جزءًا من هوائنا. لكننا لا نستسلم له. أحيانًا أراه في عيون أمي وهي تحاول أن تبتسم، فأفهم أن الشجاعة ليست ألا نخاف، بل أن نستمر رغم الخوف.” سكت قليلًا ثم أضاف: “أتعلم؟ حين يشتد القصف، أضم إخوتي الصغار وأحكي لهم عن الجنة، أصفها كبيتٍ فيه نوافذ لا تُكسر وأبواب لا تُغلق علينا. ربما أقولها لأطمئنهم، وربما لأطمئن نفسي.”
شعر الطفل الآمن بأن دموعه تسيل دون أن يشعر. كتب بصوتٍ مرتعش: “وأنا حين أرى والدي يعود في المساء، كنت أركض نحوه فرحًا، لكن الليلة سأركض نحوه خجلًا، لأن هناك من لا يجد والده أصلًا.”
توقّف الحوار لحظةً، ثم كتب الطفل المشرد: “لا تخجل، فقط احمد الله كثيرًا. نحن لا نحسدكم على النعمة، بل نحزن لأن العالم نسي أن النعمة تُشكر لا تُحتكر.”
تسلّل الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا، بل صمتٌ فيه من المعاني ما يعجز الكلام عن قوله. وفي تلك اللحظة، شعر كلٌّ منهما أن العالم ضيّقٌ بما يكفي لتلتقي القلوب وإن فرّقتها الأوطان.
قال الطفل الآمن بعد لحظة تأمل: “هل لديك أمنية؟”
ابتسم الطفل المشرد ابتسامةً تكسوها الحكمة، وقال: “نعم، أن أستيقظ ذات يومٍ فلا أسمع أحدًا يقول: (ماتت عائلةٌ جديدة الليلة). أن أعود إلى مدرستي، أن أجد وجهي في مرآةٍ غير مكسورة. لكن إن لم يتحقق ذلك، فتكفيني أمنيةٌ واحدة: ألا يُصاب طفلٌ آخر بما أصابنا.”
توقّف الطفل الآمن عند آخر جملة، أحسّ أن هذا الطفل – رغم فقده – أكثر نضجًا منه، أكثر وعيًا بالحياة. كتب له: “أنت تُشبه الأبطال الذين نقرأ عنهم في القصص.”
ردّ الطفل المشرد بدمعةٍ لم تسقط بعد: “الأبطال لا يختارون البطولة، يا صديقي. أحيانًا يُجبرهم الألم عليها.” كانت تلك الجملة كالصاعقة.
توقف الطفل الآمن عن الكتابة، نظر إلى غرفته الهادئة، إلى سريره الدافئ، إلى حقيبته المدرسية المعلقة، وشعر كأنها جميعًا تسأله: هل قدّرت ما تملك؟ كتب أخيرًا: “أعدك أنني سأدعو لك كل ليلة.”
جاء الردّ خفيفًا كنسمةٍ رغم ثقله بالوجع: “والدعاء يُصلح ما لا تُصلحه الجيوش. ادعُ لنا بالأمان، وادعُ لنفسك بالشكر، فالأمن بلا شكرٍ يتحوّل إلى غفلة، والغفلة بداية الخسارة.”
أغلق الطفل الآمن جهازه، لكنه لم يغلق قلبه. خرج إلى فناء البيت، نظر إلى السماء، وقال بصوتٍ خافتٍ كأنه صلاة: “اللهم كما منحتني أمنًا لا أستحقه، امنحهم أمنًا لا يفقدونه، وأبدل خوفهم سكينةً، وألمهم نورًا، وأحيِ بهم ضمير العالم.”
في الطرف الآخر، كان الطفل المشرد ينظر إلى ذات السماء، كأنهما يتقاسمان اللحظة نفسها دون موعد. رفع يده الصغيرة المرتجفة وقال: “اللهم احفظه ومن معه، واجعل الأرض أوسع من الخوف.”
لم يلتقيا أبدًا بعدها، لكن بين قلبيهما نشأت صداقةٌ لم تكتبها الرسائل، بل خطّها القدر، حيث يتقاطع الأمن مع الابتلاء، والخوف مع الثقة، والنعمة مع الصبر، ليثبتا معًا أن الإنسانية لا تموت ما دام هناك من يشعر بالآخر. وفي آخر الليل، كان أحدهما ينام مطمئنًّا شاكرًا، والآخر يغفو خائفًا مؤمنًا، لكن السماء كانت تسمع كليهما بالقدر نفسه من الرحمة. ذلك هو الحوار الذي لم يشهده التاريخ، لكنه ما زال يحدث كل يومٍ في صمتٍ بين طفلٍ وطفل، بين وجعٍ وأمن، بين خوفٍ وثقةٍ في الله، لا يراه الناس… لكن تراه السماء.