|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في الثامن من نوفمبر 2025، وصلتني رسالة من صديق أعجمي، نصها بسيط لكنه مليء بالعمق والروح والمعنى: “حتى اليوم تذكرت قصة التونا والطماطم والخبز في فندق عام 2000، وتلك الأيام دائمًا تذكرنا طعم العمل الخيري وصحبة الإخوة المخلصين.” توقفت طويلًا عند هذه الكلمات، وأدركت أن الوجبة لم تكن الهدف، ولم تشغل بال الوفد الزائر، بل كانت إطارًا حيًّا ورسالة عملية واحدة: رسالة تقول إن العمل الخيري الناجح لا يقاس بالمال أو الطعام، بل بالصدق، النزاهة، الالتزام بالقيم، والبناء المؤسسي الفعّال.
الرسالة الحقيقية وراء الطعام
خمسة أيام متواصلة من أسفار، اجتماعات، ورش عمل، تقييمات دقيقة، لم يكن الهدف منها التسلية أو تناول الطعام، بل تجربة حيّة للبناء المؤسسي، واستثمار الأوقات بحكمة، وتعزيز قيم النزاهة، الأمانة، والورع في كل خطوة. التونة والطماطم والخبز كانت رمزًا للقدوة العملية، للأخوة المخلصين، للقيادات النزيهة ولثقافة ترشيد الموارد وتعظيم الأمانات. لم تكن مجرد وجبة، بل درس حي في توظيف التفاصيل الصغيرة لصالح الغايات الكبرى، وتحويل كل لحظة إلى أثر مستدام.
خمس أيام من الدروس الخالدة
تخيل فريق العمل، مرتبط بالرسالة من اليوم الأول حتى اليوم الخامس: كل اجتماع يبدأ بتذكير بسيط بالغايات: البناء المؤسسي، الاستخدام الأمثل للأوقات، الحرص على الأمانة في كل مصروف. كل ورشة عمل تتحرك تحت شعار: الصدق في البداية، النزاهة في الأداء، الشفافية في القرارات. كل تفاعل مع الوفد الزائر يُظهِر القدوة العملية، الاحترام المتبادل، والتعاون الصادق. وهكذا، أصبحت الأيام الخمسة درسًا حيًا في الإدارة الأخلاقية، القيادة الرشيدة، وتحويل الأعمال الصغيرة إلى رموز حضارية.
القيم الجوهرية
العمل الخيري الصادق يبدأ من التفاصيل الصغيرة. الأمانة ليست مجرد كلمة، بل فعل حي في كل قرار ومصروف. الورع يعني أن كل خطوة تُراجع بمسؤولية قبل أن تُنفذ. الترشيد ليس تقشفًا، بل حكمة عملية لضمان وصول الخير كاملًا لمستحقيه. قال أحد الحكماء: “الأمانة تاج على رؤوس العاملين بها، ووزر على من يخونها.” وقال آخر: “العمل الصالح نور يضيء الطريق للأحياء والأموات.” هذه الأقوال ليست مجرد كلمات، بل نهج يُطبق في كل اجتماع، وكل توزيع، وكل تفصيل من التفاصيل الخمسة أيام.
الرسالة الحضارية
من خلال هذه الأيام، كان الوفد الزائر نموذجًا حيًا للتفاعل الحضاري والقيادة الأخلاقية، بينما كان فريق العمل يحاكي هذه القدوة، ويثبت أن النزاهة والصدق يمكن أن يكونا ثقافة مؤسسية راسخة. حتى أصغر التفاصيل، مثل التونة والطماطم والخبز، تحولت إلى رمز للقدوة العملية، والالتزام بالقيم الجوهرية، والحرص على كل مستحق، دون التلهي بالمظاهر أو التفاصيل الثانوية.
الأثر بعد ربع قرن
25 عامًا مضت، وما زالت هذه الأيام حية في الذاكرة. لم يُنسَ الورع، ولا الأمانة، ولا الجهد المبذول في إدارة كل لحظة بكفاءة وصدق. كل درس، كل قرار، كل وجبة رمزية، تركت أثرًا خالدًا في نفوس الجميع، ورسالة عالمية لكل المؤسسات الخيرية: احرصوا على التفاصيل الصغيرة، فهي قلب القيم، ومرآة النزاهة، ومصدر القدوة. كل عمل يُقاس بالصدق والنزاهة، وليس بالمظاهر أو الكمّ. الثقافة المؤسسية الراسخة تبدأ من تفاصيل يومية بسيطة لكنها معبرة، وتستمر لربع قرن وأكثر.
وختامًا: التونة والطماطم والخبز لم تكن سوى رمز حيّ، درس عملي، رسالة أخلاقية، وقدوة للقيادات والعاملين. ربع قرن مضى، وما زال أثرها حيًا، لأنها تجسيد للصدق، الورع، الأمانة، النزاهة، ترشيد الإنفاق، وتعظيم الأمانات، والبناء المؤسسي المتقن. “العمل الصالح نور يضيء الطريق للأحياء والأموات. ومن أخلص لله نجا، ولو بوجبة بسيطة من تونا وطماطم وخبز.” إنها رسالة عالمية لكل المؤسسات الخيرية: احرصوا على كل تفصيل، كل مصروف، كل قرار، كل لحظة عمل، لتترك أثرًا خالدًا، وتصبحوا قدوة للجيل الحالي والأجيال القادمة.