المناظرة الكبرى في قاعة الفكر والضمير 

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في مكان لا يحده جدار، ولا يقيده زمن، كانت القاعة ممتدة بلا سقف، مضاءة بضوء ناعم يشبه ضوء الفجر حين يشرق لأول مرة على الأرض، على المقاعد الثلاثة الرئيسية جلست الشخصيات الثلاث:

                •الثقافة، بثوبها الذهبي اللامع، الذي يلمع كلما انتقل الكلام من عقل إلى عقل،

                •القدرات، بصوتها العميق المملوء بالطاقة، ترتفع وتخفض مثل الجبال والمرتفعات،

                •المهارات، بخطواتها الدقيقة وسلالمها المتصاعدة، التي تصنع منها كل فكرة عملًا ملموسًا.

على مقعدٍ جانبي، يقف الزعيم أو القيادة الفارقة، يراقب الحوار بهدوء، كأنه يزن كل كلمة، ويحسب أثر كل حركة في عالمه الداخلي والخارجي.

بدأت الثقافة بالكلام، بصوت كأنه نهر ذهبٍ صافٍ: أنا البداية، أنا التوجيه، أنا الذهب الفكري. بدونّي، تكون الأفكار صحراء بلا ماء، والقدرات بدون اتجاه، والمهارات بلا مقصد.

رفع القدرات حاجبيه، وقال بنبرة تموج بالطاقة: صحيح أنكِ تلمعين، لكنّكِ بلا فعل، مجرد توجيه بلا حركة، بلا طاقة حقيقية، بلا اندفاع. أنا المعدن الخام في النفس، من يملكني يستطيع أن يرفع ما هو ثقيل، وأن يحلّق حيث لا تحلّق الأفكار وحدها.”

ضحكت المهارات بهدوء، وهي تصنع سلالمها بدقة أمامهم: كلاكما، إن لم تُصاغا، فكل طاقاتكما ضائعة. أنا الصياغة الدقيقة التي تحول الذهب الفكري إلى أثر ملموس، والمعدن الخام إلى بناء يمكن تسلقه، والقدرة إلى عمل يُرى ويُلمس.

سكتت القاعة للحظة، كأن كل حرف فيها يتحول إلى جسور بين الفكر والضمير.

ثم تحدثت الثقافة مرة أخرى: لكن، يا قدرات، يا مهارات، تذكرا أنني أرض مشتركة يمكن للجميع أن يقف عليها. أسمح لمن أراد أن يبدأ، أوجه من لم يعرف الطريق، وأشعل نور الرؤية قبل أن تتحرك الأقدام.

ردت القدرات بحدة خفية: وأنا المرتفعات التي يختلف ارتفاعها من إنسان لآخر. قد يقف الجميع على الأرض، لكن ليس الجميع يستطيع التسلق كما أسعى أنا، وليس كل من يحمل الذهب الفكري يعرف كيف يجعل منه قوة حقيقية.

ابتسمت المهارات وقالت: وأنا السلالم، أسمح لكل من يمتلك الذهب والمرتفعات أن يترجمها إلى القمة. بدوني، يبقى كل شيء مجرد فكرة أو طاقة خام. أنا من يجعل من العمل فنًا، ومن الفكرة إرثًا.

هنا تدخل الزعيم، بصوت هادئ وثابت: ومن منكم الثلاثة يرى أن بإمكانه الحكم على الأثر النهائي بمفرده؟ ألم تدركوا بعد أن العمل العظيم لا يولد من عنصر واحد، بل من تفاعل متكامل؟

أجابت الثقافة: قد يكون كلامك صائبًا، لكن من دون توجيهي، من أين يأتي الإدراك؟ كل أثر يبدأ من فكرة، وكل فكرة تبدأ بالوعي.

أضافت القدرات: والإدراك بلا طاقة، بلا قدرة على التنفيذ، يظل فكرة ميتة. أنا من يخلق الحركة، من يضيف البُعد، من يجعل الأفكار قادرة على مواجهة الواقع.

قالت المهارات: والحركة بلا صياغة، بلا تنظيم، بلا تطبيق دقيق، تصبح فوضى. أنا من يجعل الحركة منتجة، من يعطي للقدرة هدفًا، وللفكر أفقًا يمكن بلوغه.

ابتسم الزعيم وهو يدوّن بصمت في قلبه: إذن، كل واحد منكم لديه جزء من الحقيقة، لكن الحقيقة الكاملة تظهر فقط حين تتحدون جميعًا.

ثم بدأت الثقافة تتحدث بروح تأملية: أرى الآن أنني مجرد بداية، وأنا الأرض التي يقف عليها الجميع، لكن بدون ارتفاعات ولا سلالم، تبقى الأرض مجرد مكان، لا يتحرك فيه شيء.

ردت القدرات بصرامة: وأنا المرتفعات، أؤكد أن من لا يمتلك القدرة لا يمكنه استخدام الأرض بالشكل الصحيح، ولا الصعود إلى أي مستوى متميز.

قالت المهارات بابتسامة: وأنا السلالم التي تصنع من الأرض والمرتفعات رحلة، تجعل من كل فكرة ومقدرة أثرًا ملموسًا يمكن أن يراه التاريخ، يمكن أن يلمسه البشر، يمكن أن يخلد في الذاكرة.

هنا توقفت القاعة لحظة، وشعر الحاضرون – وهم صور رمزية لأجيال مختلفة – بشيء لم يشعروا به من قبل: وعي داخلي يتشكل، فهم للمكانة، إدراك للقيمة الحقيقية للعمل، والفعل، والتعلم، والتطوير المستمر.

قال الزعيم أخيرًا، وكأنه يلخص درس التاريخ كله: هذه هي القيادة الفارقة. ليست في الأكثر معرفة، ولا في الأكثر طاقة، ولا في الأكثر مهارة، بل فيمن يستطيع تحويل الثقافة إلى قدرة، والقدرة إلى مهارة، والمهارة إلى أثر.

تبادلت الشخصيات الثلاث نظراتها، كأنها تتأمل في مرآة وجودها:

الثقافة قالت: أنا الآن أفهم أن قوتي بلا حركة بلا معنى، وأن وعيي وحده لا يكفي.

القدرات قالت: وأنا أدرك أن القوة بلا توجيه ولا صياغة تضيع في الفراغ.

المهارات قالت: وأنا أفهم أن الصياغة بلا معدن خام ولا أرضية للتوجيه مجرد شكل بلا مضمون.

ثم ابتسمت جميعها، ورفعت رأسها نحو الضوء الذي يملأ القاعة: الآن، بدأ الوعي الحقيقي يولد، بدأ الإدراك الكامل يظهر، بدأ التاريخ نفسه يشهد ميلاد فرق حقيقية بين من يفعل ويترك أثرًا، ومن يكرر ولا يبدع.

قال الزعيم: تذكروا، كل يوم هو فرصة لإعادة خلق التوازن بين ما تعرفونه، وما تستطيعون فعله، وما يمكنكم صياغته. القيادة ليست لقبًا، ولا منصبًا، إنها القدرة على جعل الثلاثي يعمل معًا في انسجام، ليخلق أثرًا لا يمحى.

توجهت الثقافة إلى القدرات، وهمست: لن نكون مفيدين إذا لم نتحد.

نظر القدرات إلى المهارات وقال: صحيح، وحدتنا تصنع الفارق.

ابتسمت المهارات وقالت: كل خطوة، كل فعل، كل فكرة، تصبح معًا إرثًا خالدًا، حين نعمل ككائن واحد متكامل.

ومضت القاعة تهتز بصوت غير مسموع، كأن كل من يجلس فيها يشعر بأنه أصبح جزءًا من هذا الوعي، وأنه لم يعد مجرد منفذ أو متعلم أو ممارس، بل إنسان يعرف قيمة الثقافة والقدرات والمهارات، وكيف يمكن للقيادة الفارقة أن تترجم كل ذلك إلى أثر حقيقي.

في اللحظة الأخيرة، قالت الثقافة: دعونا نخرج العالم من الظلام، نعيد للوعي مكانه، نخلق فرقًا لم يشهدها التاريخ من قبل.

قالت القدرات: لن نترك أي قوة خام بلا توجيه، أي موهبة بلا استثمار، أي طاقة بلا تأثير.

وقالت المهارات: وكل أثر سيصبح مثالًا، وكل مثال سيصبح تاريخًا، وكل تاريخ سيصبح إرثًا.

وانطلقت الثلاثة معًا، نحو أفق لا ينتهي، نحو مستقبل يملأه الفهم، والوعي، والإبداع، والإتقان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top