|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
كان الفجر المؤسسي ما يزال باهتًا حين بدأت المؤسسة تُحرك أطرافها، تتلمّس وعيها، وتستشعر ذاتها. لم يكن المشهد إدارةً تُراجع خططها، بل روحًا تتساءل: من نحن؟ ولماذا نعمل؟ وهل نبصر أنفسنا كما نحن أم كما يُراد لنا أن نكون؟ في تلك اللحظة، لم تعد المؤسسة جدرانًا وأقسامًا وهياكلَ جامدة، بل كيانًا ينبض بالسؤال، يبحث عن ذاته بين طيات القيم والرؤية، بين دفاتر الأهداف وضجيج التنفيذ.
الوعي المؤسسي هو هذه اللحظة من الاستيقاظ الداخلي، لحظة تلتفت فيها المؤسسة إلى مرآتها، فتدرك أن البقاء ليس بالميزانيات ولا بالتقارير، بل بعمق الفهم ووضوح الاتجاه. يقول بيتر دركر: “الثقافة تلتهم الاستراتيجية على الإفطار” – وكم هو صادق في عبارته، لأن المؤسسة التي لا تملك ثقافتها ووعيها، تُصبح رهينة الخطط على الورق، تمشي كثيرًا ولا تصل. إن الوعي المؤسسي ليس ترفًا فكريًا، بل هو البوصلة الخفية التي تُوجّه القرار، وتُعيد ترتيب الأولويات، وتحوّل الأعمال من نشاطٍ إداري إلى رسالةٍ ذات روح. هو الفهم الجمعي الذي يجعل الفريق يرى الصورة الكبرى لا التفاصيل فقط، يدرك المعنى لا الإجراء، ويتعامل مع الهدف كقيمةٍ لا كرقمٍ في تقرير.
وحين تتحدث المؤسسة عن الوعي، فهي في الحقيقة تتحدث عن الإنسان الذي بداخلها، عن العقل الذي يفكر من خلاله النظام، وعن القلب الذي يضخ الإلهام في شرايينها. الوعي المؤسسي لا يُبنى في الاجتماعات ولا في اللوائح، بل في الحوار، والقدوة، والتجربة، والموقف. يبدأ حين تُطرح الأسئلة الصعبة: هل نعمل لأننا نعرف الطريق؟ أم لأننا نخاف التوقف؟ هل نُدير الواقع؟ أم نصنع المستقبل؟ تلك هي لحظة التحول من العمل الآلي إلى العمل الواعي، من إدارة المهمات إلى صناعة المعنى.
أما الثقافة المؤسسية فهي الهواء الذي تتنفسه المؤسسة دون أن تشعر، لكنها إن فقدته اختنقت. هي الملامح غير المكتوبة التي ترسم الشخصية الخفية للمكان – طريقة التحية، أسلوب النقاش، نظرة المدير للعامل، وحديث العامل عن مؤسسته حين يغادر الباب. إنها، كما قال إبراهيم الفقي، “العادات الصغيرة التي نكررها يوميًا تصنع الفارق الكبير في النهاية”. فالثقافة ليست تعليماتٍ نعلّقها على الجدران، بل إيمانٌ جماعيّ يُمارَس دون أن يُؤمر به. وحين تمتلك المؤسسة ثقافتها الواعية، تُصبح قراراتها منسجمة مع قيمها، ويغدو التحدي فرصةً لا أزمة، ويصبح الولاء امتدادًا للفهم لا للوظيفة. ذلك أن الثقافة المؤسسية هي الذاكرة الجمعية التي تحفظ القيم من التآكل، وتغذي السلوك بالمعنى، وتزرع في كل موظفٍ إحساسًا بأنه ينتمي إلى فكرةٍ لا إلى طاولة.
يقول عبد الوهاب المسيري: “إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان أن يتحول إلى ترسٍ في آلة.” وكذلك المؤسسة – أخطر ما يصيبها أن تتحول إلى آلةٍ ضخمة بلا وعي، تدور في نفسها دون مقصد. فالوعي المؤسسي هو ما يمنحها إنسانيتها، يجعلها تفكر لا كمنظمةٍ من لوائح، بل ككائنٍ من قيم. حين يغيب الوعي، تتحول القيم إلى شعارات، والرسالة إلى ديكورٍ لفظي، والأداء إلى سباقٍ بلا روح. أما حين يحضر، فكل قرارٍ يحمل بصمة الفهم، وكل مبادرةٍ تمتد من جذور الرؤية إلى ثمار الأثر. وتبدأ رحلة بناء الوعي والثقافة حين تؤمن القيادة بأن الإدارة ليست سلطة، بل مسؤولية توجيه المعنى. لا يُبنى الوعي بقرارٍ إداري، بل بتراكم اللحظات التي تُصاغ فيها المواقف اليومية بروحٍ صادقة: حين يرفض القائد قرارًا يضرّ بالقيم، حين يُقدّر صوت العامل البسيط، حين تُكافأ النية لا الحيلة، والصدق لا المظهر. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تشكّل، كما يقول دركر، “الحمض النووي للمؤسسة الناجحة”.
في أحد الاجتماعات الرمزية، تخيّل معي مؤسسةً عريقة تجلس على طاولة مستديرة، على الكرسي الأول يجلس “الهيكل”، وعلى الثاني “اللوائح”، وعلى الثالث “الأداء”، لكن في الزاوية البعيدة يجلس “الوعي”، صامتًا، لا يتحدث أحد إليه. تدور النقاشات، تُرفع الجداول، تُعرض التقارير، وكلٌّ يتحدث عن الإنجازات، حتى ينهض “الوعي” متأملًا ويقول بهدوء: “أنتم تعملون كثيرًا، ولكن إلى أين تمضون؟” يصمت المجلس… لأن السؤال تجاوز الحسابات إلى الحقيقة. ذلك هو جوهر المقال كله – أن تستيقظ المؤسسة لا لتعمل أكثر، بل لتفهم أكثر، أن تدرك أن الكفاءة بلا وعي كالسفينة بلا بوصلة، وأن الثقافة بلا قيم كالأرض بلا جذور.
وحين تمتزج الثقافة بالوعي، تتكوّن الهوية المؤسسية الحيّة، تلك التي تملك ملامحها الخاصة بين آلاف المؤسسات. هي التي توازن بين الصرامة والرحمة، بين الفكر والإحساس، بين التخطيط والإلهام. مؤسسةٌ كهذه لا تُقاس فقط بإنجازاتها، بل بمدى اتساقها مع ذاتها، ومدى صدقها مع قيمها، ومدى أثرها فيمن حولها. في تلك اللحظة، لا تعود المؤسسة كيانًا وظيفيًا، بل رسالة إنسانية متكاملة. تستيقظ على وعيها، تتنفس بثقافتها، وتبقى يقظة مهما تبدّلت الظروف، لأنها ربطت مصيرها بالمعنى لا بالمكان، وبالقيم لا بالمكاسب، وصدق القائل “إن الفكرة حين تُصبح ثقافة، لا تموت، بل تتحوّل إلى ضمير.” وهذا هوغاية ما نريده من كل مؤسسة واعية: أن تزرع الفكرة حتى تصير ضميرًا جماعيًا، يوجّه السلوك دون مراقبة، ويُصوّب القرارات دون خوف. وعندها فقط يصبح البناء المؤسسي بناءً للإنسان قبل النظام، وللضمير قبل الهيكل، وللمستقبل قبل الواقع.
إن المؤسسة التي تمتلك وعيها وثقافتها لا تُدار بالاجتماعات، بل بالفهم المشترك والإيمان العميق. فيها القائد قدوة، والفريق عقلٌ واحدٌ بألف يد، والقيم لغةٌ تُفهم لا تُحفظ. هي مؤسسة لا تحتاج أن ترفع شعار “نحو التميز”، لأن التميز صار أسلوب حياتها. وهكذا – حين تستيقظ المؤسسة على وعيها، وتتنفس بثقافتها، وتعرف رسالتها بصدق – تُصبح حيّةً حتى في صمتها، مُلهمةً حتى في أبسط مواقفها. تتحول من كيانٍ إداري إلى كائنٍ من نورٍ وفكرٍ وروح. تُضيء للآخرين طريق القيادة الراقية، وتُثبت أن الإدارة حين تُبنى على الوعي، تُصبح شكلًا من أشكال العبادة.
وفي الختام، حين يجتمع مجلسٌ تنفيذي يحمل هذه الروح، يدرك أن أعظم قرارٍ يمكن اتخاذه ليس التوسع أو التخطيط، بل بناء الوعي الذي يمنح المعنى لكل ما سواه. فالوعي هو أول الطريق، والثقافة هي ظله الممتد، وبهما فقط تُولد المؤسسات التي لا تموت، لأنها تُفكّر بضمير وتعمل بإيمان.