ضحكةٌ تعبر 35 عامًا: حين التقى 1978 بـ 2013

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

لم تكن الزيارة للبحرين في عام 2013 زيارةً عابرة. كانت من تلك الزيارات التي يدخل فيها الإنسان ليُسلّم… فيخرج وقد أُضيف إلى قلبه شيء لا يعرف كيف يسميه. يومها، دخل الصديق الحميم يحمل بيده صورتين قديمتين، لم تكونا مجرد ورقتين، بل ذاكرة ثقيلة تحمل ثلاثة عقود ونصفًا من الزمن.

جلس د زغلول النجار رحمه، العالم الذي جمع بين صرامة العلم وطراوة الإيمان، عالمٌ يمشي بتواضع العارفين، كأنما يعتذر عن حجم ما يحمل من معرفة. كان يجلس على مقعده بهدوء من يعرف أن العمر مهما طال، يبقى في يد الرحمة الإلهية.

قال الصديق بهدوء لطيف، فيه لمعة وفاء: “دكتور… هل تتذكر هذه؟” ومدّ يده بالصورتين. هنا… توقّف الزمن للحظة. التقط د النجار الصورتين بعينٍ نصف مشتاقة ونصف مترددة، كأنه يخشى أن يرى في الصورة شابًا بعيدًا، نسخةً منه لم يعد يراها إلا في مرآة الأيام. وحين وقعت عيناه على المشهد الملتقط في جامعة الكويت – 1978…انفرج وجهه، ثم ضحك. ضحكة تشبه تلك التي وصفها الرافعي: “ضحكة ليست من الفم، بل من القلب الذي تذكر نفسه.” كان يضحك لأنه رأى شابًا يحمل حلمًا، ويقف أمام جمهور لم يكن يعرف أنه سيعود إليه بعد 35 عامًا… بصورة. الصورتان لم تكونا حدثًا بصريًا… كانتا جسرًا مكوّنًا من زمن ووفاء.

حين كانت جامعة الكويت منبرًا للنفَس الأول

عام 1978… الكويت كانت قلبًا نابضًا بالعلم، وجامعة الكويت كانت منبرًا تُضاء فيه العقول قبل القاعات. كان د النجار يلقي محاضرته حينها، والصديق-الذي قدّم الصورتين-كان يومها رئيس اللجنة المنظمة للمحاضرة. يا لها من مفارقة جميلة: أن يعود الرجل بعد عقود ليقول لعالمٍ كبير: “دكتور… أنا من نظّم يومك الأول هنا، وها أنا اليوم أضع صورته بيدك. قال لقمان لابنه: “يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ… يُؤْتِ بِهَا” وكأن هذه اللحظة تُثبت أن الذكريات الصادقة-وإن كانت “مثل حبة” -يُعيدها الله إلينا بقدرته… لا تضيع. في تلك القاعة عام 1978، لم يكن د النجار يعرف أن صوته سيسافر بين الأجيال، وأن كلماته ستبقى منارة لطلابٍ لم يولدوا بعد، وأن صديقًا بالبحرين سيحتفظ للزمن بصورة… يصبح لها شأن.

ضحكة تُحيي ما ظنه الزمن نائمًا

في 2013، وقف د النجار ينظر للصورتين كأنهما نافذتان مفتوحتان على شابٍ من الماضي، وعلى حلمٍ كان يتشكل بلا ضجيج. ضحك… لكنها لم تكن ضحكة سخرية، ولا ضحكة ذكريات عابرة. كانت ضحكة اعتراف… اعتراف بأن الله حين يبارك في العمر، يجعل الإنسان يرى ثمار ما زرع، وإن متأخرة. هنا يتردد صوت الطنطاوي الذي كان يقول: “ما أجمل أن يرى الإنسان نفسه في صورة لا تشبهه كثيرًا… لكنها تُشبه ما كان يحلم أن يكونه.” الصديق الذي قدّم الصور بدا كأنه يعيد قطعة من التاريخ لمكانها الأصلي. تخيّل قلبه وهو يرى العالم الكبير ينظر للصورتين ويضحك… كم تساوي تلك اللحظة؟ إنها اللحظة التي يكتشف الإنسان فيها أن ما حفظه ثلاثين سنة لم يكن صورة… بل أمانة وفاء.

لقاء القلوب

لم يكن الحديث طويلًا. أحيانًا، القصص الكبيرة تكتفي بابتسامة واحدة، ويكفيها أن يلتقي قلبان على ذكرى واحدة. شعرت، كما يشعر القائل، أن “الكلمات كانت تستحي أن تُزاحم المشهد”. فالضحكة التي خرجت من قلب د النجار لم تكن بحاجة إلى شرح… كانت تقول: “ما زال الله يلطف بي…أن يعيد إليّ شيئًا توهمت أن الزمان ابتلعه.”

قلبان يمسكان المعنى

حين وضع الصديق الصورتين بيد الدكتور، كانت يداهما تلتقيان فوق ورقتين، لكن الحقيقة… أن الذي التقى هو معنى الزمن لا ورقه. كان الدكتور يرى شبابه، وكان الصديق يرى وفاء شبابه. وكان كلاهما يمسح غبار الزمن عن لحظة بقيت نقية رغم كل شيء. هنا تذكّرتُ الحكيم: ” وإذا كنتَ ذا قلبٍ فكلّ ما حولك قلب.” فالقلوب الطيبة تُحيي ما مات، وتُنبت ما جف، وتُلون أيامنا بألوان لا يستطيع الزمن محوها.

ما الذي يبقى؟

يبقى… أن الصورة ليست صورة. أن الضحكة ليست ضحكة. أن الزيارة ليست زيارة. يبقى أن 1978 لم تمت، وأن 2013 لم تكن مجرد عام. يبقى أن المرحوم د زغلول النجار لم يكن عالمًا فقط…بل كان رجلاً يضحك حين يرى امتداد أثره ويبتسم حين يدرك أن الله لم يترك عمله يضيع. ويبقى الصديق…ذلك الإنسان الذي لا يُحسن فقط الاحتفاظ بالصور، بل يُحسن الاحتفاظ بالمعنى. ويبقى أنت…الذي حمل القصة، وأراد لها نصًا لا يستطيع أحد كتابته… لأنها خرجت من دائرة السرد إلى دائرة الحياة.

في النهاية: هذه ليست قصة صورتين… ولا لقاء عابر… ولا ضحكة على ذكرى بعيدة. هذه قصة وفاء ممتد بين زمنين وقصة عالمٍ كبير يضحك حين يلتقي شابَّه القديم، وقصة صديق ظل وفيًّا لصورة، حتى أعادها إلى صاحبها، بعدما ظن الجميع أن الزمن يدفن كل شيء. ولكن… صدق من قال: “ما ضاع ما كان لله، ولا تاه ما حفِظَه المحبّ.” وهنا… وُلدت لحظة لا ينساها الزمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top