حين تكلم التاجر البسيط… وسكت التاريخ

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كان المسجدُ صغيرًا، ليس فيه من الفخامة شيء، ومع ذلك كان يحتوي سكينة تكفي لأن يتساوى فيه السلطانُ والرجلُ الفقير. وفي مساءٍ يشبه الحكايات التي لا تبدأ من أولها، وقف رجلان لا يعرف أحدهما اسم الآخر، أحدهما بسيط الملبس، هادئ الملامح، تظنّه يعيش على هامش الحياة… لكنه في الحقيقة كان يعيش في مركزها الأعمق. والثاني تاجرٌ لامع، يعرفه السوق ويعرفه الناس، وتعرفه تلك التفاصيل التي لا تمنح بريقها إلا لمن عاش طويلًا فوق موائد الأرقام. صلّيا جنبًا إلى جنب، بلا ترتيب وبلا معرفة، واستويا صفًا واحدًا كما يستوي البشر تحت السماء. وحين انتهت الصلاة افترقا، كأن شيئًا سيمرّ، ثم يختفي، ثم يجيء في موعده المكتوب. لم يدركا أن تلك اللحظة لم تكن مجرد صلاة… بل كانت بداية حكاية لا يُكتب مثلها في العمر مرتين.

بعد أيام، كان المطار يكتظّ بأصوات الحقائب والعجالة، وكانت الرحلة مؤجلة قليلًا، وكان المصلّى في أحد الأركان هادئًا كأنما هو معبرٌ بين الدنيا والسماء. دخل الرجل البسيط، ثم دخل التاجر… ثم كلاهما وقفا مرّة أخرى جنبًا إلى جنب، في المكان ذاته، بالصورة ذاتها، وكأن المفارقة تتمرن قبل العرض الكبير. ابتسم التاجر بعد الصلاة: “يبدو أننا نلتقي كثيرًا…”، فابتسم البسيط تلك الابتسامة العميقة التي لا يتقنها إلا من يعرف سرّ القدَر. ولم يتحدث. ولم يكن أحدهما يتوقع أن “البروفة” الثانية ليست إلا مدخلًا للثالثة… الأكثر إدهاشًا.

حين صعدا الطائرة، وجدا نفسيهما في المقعدين المتجاورين. توقف التاجر، رفع حاجبيه بدهشة صادقة، ثم قال: ثلاث مرات؟! فأجابه البسيط بصوتٍ راسٍ كجذع نخلة: ” إذا شاء الله لقاءً… كتب له طريقه.” جلسا، وتحركت الطائرة، وارتفعا فوق السحاب. وبعد دقائق من الهدوء، انفتح باب الحكاية. سأل التاجر جاره: “ما اسمك؟ وما عملك؟” فأجابه الرجل ببساطة تكاد تبدو خجولة:  “اسمي فلان… وأنا تاجر”. ضحك التاجر ضحكة خفيفة، فيها ذوقٌ لا يخلو من تعجب: “تاجر؟” ثم أردف: “التجارة بيع وشراء… ميزان، وبضائع، وأرقام، وأسواق… فكيف أنت تاجر؟” والتاجر كان يقولها وهو يظن أنه يشرح… لكنه كان في الحقيقة ينتظر درسًا. التفت إليه البسيط، وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة ليصغي. قال بهدوء يسبق العاصفة: ” التجارة ليست بيعًا وشراء يا أخي… هذه أدوات فقط. التجارة روح. فلسفة. رُوِيّة. أمانة. همة. وما دون ذلك ظلالٌ لا أصل لها.” تغيّر وجه التاجر… شعر أن الكلام ليس كلامًا عابرًا. فمال البسيط نحوه وقال: ” أتدري ماذا تعني كلمة تِجَارَة؟” ثم بدأ يتهجّاها كمن يكشف سرًا:

  • “ت – توفيق. ليس في الأرض تاجرٌ أعظم من عبد الرحمن بن عوف، ومع ذلك كان يقول: “إن رفعتُ حجراً لرجوتُ أن يرزقني الله منه.” سرُّ التجارة الأول… أن تعلم أن الرزق ليس بيدك. كل نجاح يبدأ ببابٍ يفتحه الله… لا السوق.”
  • “ج – جسارة. الجسارة: أن تبدأ. والجسور: أن تبقى. وقصة أبي حنيفة، قبل أن يكون إمامًا، كانت قصة تاجر لا يخاف الكساد، ولا يخشى الخسارة، لأنه يعرف أن “السوق يختبر الرجال قبل أن يختبر البضائع”. ومن لم يعبر الجسر، لن يصل.”
  • “ا – أخذٌ بالأيدي. ثم أمسك بيد التاجر، وضغط عليها ثلاث مرات… وقال بصوتٍ هزّ قلبه: “أمانة… أمانة… أمانة”. ثم أضاف: “عبد الله المطوّع، تاجُ تاجركم المعاصر، كان يقول: “التجارة بدون أمانة… عبء، وليست بركة.” وما ارتفعت تجارة رجل إلا بقدر أمانته، وما سقطت تجارة آخر إلا بقدر خيانته.”
  • “ر –رُوِيّة. الرُّوِيّة لا الرؤية. الرؤية قد يمتلكها كثيرون، لكن الرُّوِيّة لا يقدر عليها إلا من جرّب الحكمة وذاق الصبر. الرُّوِيّة هي التؤدة التي تمنعك من بيع مبادئك في موسم العجلة.”
  • “ه – هِبَة. الهبة أن يضع الله في قلبك نورًا، وفي تجارتك بركة، وفي خطوتك سرًّا لا يعرفه المحاسبون. الهبة التي جعلت عبد الرحمن بن عوف يبدأ من الصفر في المدينة، فيقول: “دلّوني على السوق.” ثم يخرج في آخر حياته بملايين الدنانير، وكأنه لم يبدأ يومًا فقيرًا مهاجرًا.”

ساد الصمت. كان التاجر ينظر إلى الرجل البسيط كأنه يرى تاريخًا كاملًا في هيئة إنسان. لم يعد يرى في بساطته نقصًا، ولا في مظهره تواضعًا… بل كان يرى قمةً يرتديها رجلٌ لا يحب الظهور. قال التاجر بصوت خافت: من أين تعلّمت هذا؟ فردّ البسيط: من السوق. ومن الركعة الأولى. ومن قول عمر: “لا يُقمِّن أحدكم أن يرزقه الله وهو قاعد.” ومن دموع التجار الصادقين الذين يمشون في الأرض بأمانة، ويخشون الله في الميزان أكثر مما يخشونه في الليل. ثم أضاف:  التجارة ليست ثروة… التجارة مسؤولية.

هدأت الطائرة. وبدأت الأضواء تخفت. قال التاجر لجاره:  “هل تسمح أن أتعلم منك؟”  فضحك البسيط وقال:  “إن أردت العلم… فابدأ من هنا. وأشار إلى صدره، وقال:  أصل التجارة قلبٌ يعرف قدر الله. ثم أشار إلى يده، وقال:  ويدٌ لا تخون. ثم أشار إلى رأسه، وقال:  ورُوِيّة لا تستعجل الربح… لأن البركة لا تُستعجل.” ثم نهض وهو يهمّ بالنزول، وقال تلك الجملة التي سجّلها التاريخ: “التاجر الحقيقي… هو الذي يخاف أن يخسر عند الله أكثر من خوفه أن يخسر في السوق.”

حين خرجا إلى صالة الوصول، وقف التاجر وحده، يتأمّل الرجل البسيط وهو يمشي بين الناس، بلا ضوضاء، بلا هالة، بلا إعلان… لكنه يمضي بثبات من يعرف طريقه. قال التاجر في نفسه: “كنت أظن أنّني سأقابل في الرحلة رجلًا بسيطًا… فإذا بي أقابل جامعةً اقتصادية تمشي على قدمين.” “كنت أظن أنني سأعلّمه… فإذا بي أتعلّم.” “كنت أظن أن التجارة دفتر حساب… فإذا هي دفتر قلب”. وفي تلك اللحظة، فهم التاجر أنّ الله لا يجمع الناس عبثًا، ولا يكرر اللقاءات صدفة، ولا يكتب الحكايات لكي نمرّ بها مرورًا عابرًا. بل لنعرف أن بعض الرجال… مظهرهم بسيط، ولكن أسرارهم عظيمة. وأن التجارة… ليست مهنة، بل منهج حياة. ليست بيعًا وشراء، بل توفيق، وجسارة، وأمانة، ورُوِيّة، وهبة. وأن بعض التجار… يمشون في الأسواق، وهم في الحقيقة أهل علم، وأهل بركة، وأهل قلب.

وعندما اختفى الرجل البسيط بين ازدحام الواصلين، شعر التاجر لأول مرة أن الخطى لا تُقاس بالأقدام، بل بما تتركه في القلوب. أدرك أن التجارة ليست حركة أسواق، بل حركة قلوب، وأن الله قد يرسل إليك معلّمًا من حيث لا تحتسب، ليعيدك إلى أصلٍ كدت تنساه. وفي تلك اللحظة تذكّر دعاءً قديمًا كان يردده في طفولته: “اللهم ارزقني رزقًا لا يشغلني عنك.” فقال في نفسه: اليوم فقط… فهمتُ معنى الدعاء. ثم رفع رأسه، كأنه يخاطب الغيب: يا رب… إن كان في التجارة أبواب، فأعظمها بابٌ يصلح القلب… لا الميزان. ومضى التاجر بعدها بخطوات مختلفة: أبطأ… أعمق… أنقى. لم يعد يبحث عن الصفقة التي تُربح، بل عن الخطوة التي تُرضي. وعرف أن بعض اللقاءات ليست صدفة… وأن بعض الرجال يُرسَلون إلينا هدية، ثم يختفون قبل أن نعرف أسماءهم. ولذلك… ظل يقول كلما تذكّر وجه الرجل البسيط: “اللهم اجعلني تاجرًا عندك… قبل أن أكون تاجرًا بين خلقك.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top