حين تجلس الحوكمة على مقعد الشاهد… وتبكي الحقيقة خلف الستار

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كان الليل يهبط على المدينة الإدارية كأنّه صفحة دفتر تُطوى بعناية. صمتٌ كثيف يشبه تلك اللحظات التي تسبق كشف الأسرار، وفي منتصف ذلك الصمت، كانت تقف الصورة الرمزية التي تبحث عنها المؤسسات منذ عقود: رجلٌ يحمل ميزانًا مكسورًا، وواقفةٌ أمامه مرآة لا تعكس إلا نصف الملامح. لم يكن الرجل سوى روح الحوكمة الحقيقية، ولم تكن المرآة إلا الامتثال كما يُظهره السوق لا كما يتطلبه الضمير. تلك هي الصورة التي يُريد القارئ أن يراها قبل أن يفتح أول كلمة من هذا المقال: صورة تسأل أكثر مما تُجيب، وتكشف أكثر مما تُخفي. ففي السنوات الأخيرة، ازدحمت الشاشات، وامتلأت المنصات بوجوه جديدة تتحدث عن الحوكمة، وتعد بإصلاح المؤسسات، وتنطق بلغة أنيقة محفوظة، لكنّ شيئًا ما كان ناقصًا… شيء يشبه الإحساس بأن الضوء مسلّط على المسرح الخطأ.

بداية الحكاية

بدأ كل شيء عندما أصبحت الحوكمة كلمة رائجة، ثم تحوّلت من رسالة إلى منتج يطلبه السوق. فصار لكل مكتب “وحدة حوكمة”، ولكل شركة “استراتيجية امتثال”، ولكل مؤسسة “مدقق خارجي يلبس عباءة الصرامة”. لكن خلف الستار، كانت الروح تقول شيئًا آخر: “الرسالة غابت… وبقي الهيكل فارغًا.” لم تعد الحوكمة فلسفة تصنع العدالة داخل المؤسسة، بل صارت ديكورًا توضع عليه الشعارات. وأصبح الامتثال أوراقًا تُوقّع أكثر مما هو سلوكٌ يُمارس. وبين كل هذا الضجيج، كان السر الأكبر: أنّ من يتحدثون عن الحوكمة، لم يفهموا بعد لِمَ خُلقت الحوكمة أصلًا.

قاعة الاجتماعات

في أحد المباني الشاهقة، وعلى طاولة لامعة، جلس أعضاء مجلس الإدارة في اجتماع طارئ. كانت الأوراق موزّعة، والابتسامات محسوبة، واللغة رسمية حدّ الجفاف. لكن في الزاوية، كان هناك كرسيٌ فارغ. ذلك الكرسي لم يكن بلا صاحب… بل كان يمثل غياب الحقيقة. كل مرة يكتبون في التقارير عبارة: “اتباع أفضل ممارسات الحوكمة”، ينظر الكرسي الفارغ إليهم ويبتسم بسخرية مرّة، وكأنه يقول: “أجمل ما في الحوكمة أنها لا تُقاس بالعبارات، بل تُفضَح بالنتائج.” إن كانت الحقيقة تجلس معهم لقالت: “القرارات الكبرى تُصنع قبل أن تصل إلى الطاولة، وما يُناقَش هنا ليس إلا ما سمح أصحاب النفوذ بمروره.” وبينما يتحدّث الجميع عن النزاهة، كانت الخطط الحقيقية تُكتب في غرف أخرى. وهنا تظهر المفارقة: الامتثال الورقي يزداد، والحوكمة الواقعية تتآكل.

 المؤسسات تمشي على قدمين غير متساويتين

لأنها تعيش انفصامًا إداريًا بين ما تُعلنه وما تُمارسه. القدم الأولى: رغبة المؤسسة في أن تظهر ناضجة أمام الجهات الرقابية، وأمام المجتمع، وأمام الممولين. القدم الثانية: سلوك يومي يهيمن عليه منطق: “المصلحة أولًا، والشفافية تأتي حسب الحاجة.” هكذا تمشي المؤسسات في كثير من الدول: خطوة للأمام باسم الحوكمة، خطوتان للخلف باسم الواقع. ولذلك لا عجب أن ترى مؤسسة ترفع شعار الشفافية، بينما قراراتها مغلقة، وملفاتها معتمة، ومساراتها لا تُرى إلا من الداخل.

 حين يصبح الامتثال وسادة تُخفى الأخطاء

في عالم الإدارة اليوم، كثير من المؤسسات تستخدم الامتثال كما يستخدم طفلٌ صغير البطانية ليغطي بها فوضى غرفته. تُقدَّم التقارير، وتُوقَّع النماذج، وتُملأ الجداول، لكن تحت هذا الغطاء الدافئ يكمن الخلل الحقيقي:

  • تضارب مصالح لا يُكشف.
  • موارد تُدار بلا حسم.
  • لجان تكتب تقارير لا يقرأها أحد.
  • مدراء يراجعون أعمالهم هم أنفسهم.
  • ومؤسسات تُحاسَب بالسؤال… لا بالفعل.

هنا نفهم الجملة الأخطر في هذا المقال: الامتثال الواهم أخطر من غيابه، لأنه يعطي انطباعًا بأن كل شيء على ما يرام.

الحوكمةُ التي تُغيّر العالم… بدأت من شخص لا من وثيقة

في لحظة نادرة من العمق، نعود إلى الجذور الأساسية: الحوكمة لم تولد يوم كُتبت أول سياسة، ولا يوم اعتمد أول نموذج، بل وُلدت حين وقف رجل شجاع وقال: هذا حق، وهذا باطل. الحوكمة ليست أداة بل موقفٌ أخلاقي. هي ليست لجانًا ولا محاضر، بل وضوحٌ في توزيع الأدوار، وشجاعة في مواجهة الانحراف، ومؤسسة تسأل نفسها كل صباح: “هل نعمل كما نعلن؟ أم كما نريد؟” وحين تفقد المؤسسة هذا السؤال، تسقط كل شهادات الجودة من يدها، تمامًا كما يسقط الرمل من قبضة طفل على الشاطئ.

 المرآة التي تخون

في أحد الممرات الباردة داخل مؤسسة كبرى، كانت هناك مرآة ضخمة مُثبتة على الجدار. تمرّ أمامها القيادات، وترى انعكاسًا جميلًا لذاتها: أنا مبتسم… أنا واثق… أنا محترف… لكن المرآة لم تكن صادقة. كانت تعكس ما تُريد المؤسسة أن تراه، لا ما ينبغي أن تراه. فالمرآة الرسمية تقول: “الأمور بخير.” لكن مرآة الحقيقة إن ظهرت، ستكشف:

  • موظفًا لا يجرؤ على الكلام.
  • مديرًا يُجمّل الفشل بتعبيرات أنيقة.
  • موارد تُنفق بلا عائد.
  • قرارات تُتخذ بلا دليل.
  • وأبوابًا خلفية لا تفتح إلا لمتنفّذين.

وهكذا تصبح المؤسسة جميلة في الصور… مشوهة في الممارسة.

الحوكمة ليست موسيقى هادئة… بل صوت حقيقتها صاخب

غالبًا ما تُعرض الحوكمة وكأنها لائحة مرتبة، أو دورة تدريبية لبقة، أو نموذجًا أنيقًا ملونًا. لكن حقيقتها أعمق: هي الصراحة التي تُربك من اعتاد العمل بالمجاملات، والمساءلة التي تُضيّق على من يحب المنطقة الرمادية. هي صوتٌ يقول: “لا يمكنك أن تدير ما لا تفهم، ولا أن تحاسب ما لا ترى، ولا أن تصلح ما تخفيه.” وهذا الصوت مزعج للكثيرين، ولهذا يحولونه إلى موسيقى خفيفة… تُسلي، لكنها لا تُغيّر.

 فأين النجاح؟ وأين الطريق؟

النجاح يبدأ حين تُفهم الحوكمة لا كقانون، بل كفن من فنون إدارة النفس قبل إدارة المؤسسة.

  • أول الطريق أن يتواضع القائد، ويعترف أن الحوكمة ليست لإرضاء الجهات، ولا لرفع رصيد المؤسسة معنويًا، بل لرفع مستواها الحقيقي عمليًا.
  • ثاني الطريق أن تتحول ثقافة المؤسسة من: “كيف نُغطي؟” إلى: “كيف نُصلح؟”
  • وثالث الطريق أن يتعلم مجلس الإدارة قبول الحقيقة… حتى إن كانت قاسية. فالمؤسسة التي لا تسمح للحقيقة بالدخول ستسمح للفساد بالتسلل.

 الميزان المكسور والمرآة العمياء

نعود إلى الصورة الرمزية التي بدأ بها المقال: رجل يحمل ميزانًا مكسورًا، ويقف أمام مرآة تعكس نصف وجهه. لكن بعد هذا المقال، تتغير الصورة: الميزان يُلحم من جديد، والمرآة تُزال، ويُستبدل بها نافذة، لأن الحوكمة الحقيقية لا تريد أن ترى نفسها… بل تريد أن ترى العالم كما هو. المؤسسات التي تفهم هذه الصورة، هي التي ستبقى، وهي التي ستعيد رسم الطريق. أما المؤسسات التي تتزين بالحوكمة، ولا تمتثل لها، فستبقى كما هي: جميلة من الخارج…ومكسورة من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top