|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بعدد النجوم التي تلمع في السماء، بل بعدد القلوب التي تأبى أن تنطفئ رغم العتمة. وفي غزة، المدينة التي اعتادت أن تعيش على حافة الجرح، تنطلق أول بطولة كرة قدم لمبتوري الأطراف… ليست بطولة رياضية، بل هندسة فكرية في فنّ صناعة الإرادة. ليس الملعب مجرد أرض خضراء… إنه مختبر تُصنع فيه النفوس من جديد، حيث يصبح الفقد بابًا للنهضة، والألم جزءًا من خطة اللعب، والساق المبتورة جسرًا يعبر عليه المقاتل نحو حياة لم يستطع أحد سلبها منه. من يراقب اللاعبين يظن أنهم جاءوا للعب كرة القدم… لكن الحقيقة أن هؤلاء جاءوا ليعيدوا تعريف الإنسانية. منهم من فقد ساقه، ومنهم من فقد ذراعه، ومنهم من فقد نصف جسده… لكن لا أحد فقد روحه.
حين يصبح الجسد جزءًا من معادلة أكبر
هؤلاء اللاعبون ليسوا متنافسين فقط، بل مهندسين… يبنون معادلات جديدة: معادلة تقول إن الإنسان حين يُبتلى بفقد طرف، لكنه يصرّ على النهوض، يصبح أعظم من الإنسان السليم الذي لم يختبر حدود قوته. إنها بطولة تعكس ما قاله أحمد ياسين: “الروح أقوى من الجسد، ومن ملك روحه ملك طريقه.” ويذكّروننا بما قاله عبدالله عزام : “إذا تمردت الروح على واقعها… استحال على العالم أن يكسرها.” أما كلمات نيلسون مانديلا، فتبدو وكأنها كُتبت لملعب غزة تحديدًا: “القوة الحقيقية هي أن تقف بعد السقوط، لا أن تمنع السقوط.” هنا، في هذه البطولة، ترى الجملة حيّة تمشي على عكاز…وتسعى… وتجري… وتسدد.
أثر لا يشبه أثرًا…
غزة لم تنظم بطولة، غزة قدّمت فلسفة: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد دوره في الحياة رغم كل شيء؟ كيف يمكن للرياضة أن تتحول من لعبة إلى مدرسة؟ ومن ملعب إلى منصة لترميم الروح؟ واهتمام الناس بالبطولة ليس لأنها حدث رياضي، بل لأنها تشبه معجزة جماعية: معجزة تقول إن الأجساد قد تُبتر، لكن الأمم لا تُبتر. فرقٌ من الشباب يلعبون بساق واحدة… لكنهم يركلون الكرة كأنهم يركلون القدر نفسه. يمسكون العكاز، لكنهم لا يمسكون الأعذار. يتألمون، لكنهم يصرّون… وكأن كل واحد منهم يردد بصوت لا يسمعه إلا ذاته: “خسرت طرفًا… لكني لم أخسر الطريق.”
الطموح… حين ينهض من تحت الأنقاض
عادةً، تتطلب البطولات تجهيزات، دعمًا، استقرارًا… أما هذه البطولة، فقد ولدت من رحم غير قابل للحياة: مدينة تحت الحصار، بقايا بيوت مهدمة، مستشفيات تعمل بنصف طاقتها، وقلوب تنبض فوق جراح لم تندمل. ومع ذلك… تم تجهيز الفرق. تم تجهيز الملاعب. تم تدريب اللاعبين. تم رفع الشعار: “غزة تلعب… حتى وإن توقفت الدنيا.” الطموح هنا ليس مجرد رغبة… إنه فعل مقاوم للانطفاء. فعل يقول: لن نسمح للحرب أن تُعرّفنا، بل سنعرّف نحن أنفسنا.
درسٌ للعالم… ما لم تقله النظريات
لم تعد غزة تُدرِّس الصمود فقط، بل تُدرّس هندسة الإرادة. علم النفس يتحدث عن التكيف. التنمية الذاتية تتحدث عن الدافع. القيادة تتحدث عن الرؤية. أما غزة، فتُقدّم النموذج التطبيقي:
- التكيف: أن تُعيد تشكيل جسدك ليكون صالحًا للحياة.
- الدافع: أن تركل الألم بدل أن تركلك الهزيمة.
- الرؤية: أن ترى المستقبل رغم أن عينيك مغرورقتان بالدمع.
لا جامعة، ولا معهد، ولا مركز بحث… يستطيع أن يمنح درسًا واحدًا بقيمة اللاعب الذي يقف على قدم واحدة، ثم يسدد كرة كأنها وثيقة إعلان الحياة.
معنى… لا يمكن تفسيره بل يُحسّ
هناك مباريات تُنسى، وهناك مباريات تُحكى… لكن مباريات غزة تُحسّ. حين يبدأ الشوط، لا تسمع صفير الحكم فقط… تسمع دقات قلوب أناس يقولون لأنفسهم: “لقد عدنا… عدنا للحياة.” حين يسقط لاعب مبتور الساق على الأرض، يمتلئ الملعب لحظة بصمت كثيف… ثم يقوم… يقوم وحده… حاملًا عكازه كأنه سيف. وفي تلك اللحظة بالتحديد، يعرف الجميع أن هذا اللاعب لم ينهزم أبدًا.
القوة… ليست عضلة، بل قرار
يحاول العالم دائمًا أن يعيد تعريف القوة. لكن غزة سبقت الجميع عندما جعلت القوة قرارًا أخلاقيًا:
- قرار أن تعيش رغم الفقد.
- قرار أن تحلم رغم الظلام.
- قرار أن تحب الحياة رغم أنها لا تبادلك الحب دائمًا.
- قرار أن تقترب من المستقبل بدل أن تبتعد عنه.
وهذا القرار، كما يصفه العظماء، هو جوهر الإنسان. مصداقًا للقائل: “من أراد التحرر… فعليه أن يحرر إرادته أولًا.” وكذلك “أصعب السجون تلك التي نصنعها نحن داخل أنفسنا.” وفي غزة، تم تحطيم هذه السجون كلها… بقدم مبتورة، وعكاز، وقلب يرفض الاستسلام.
إرادة… تهزم كل خرائط السقوط
الإرادة ليست شيئًا يُشترى، ولا موهبة تُمنح، ولا درسًا يُلقّن. الإرادة تُولد في اللحظة التي ينهار فيها كل شيء…ثم تقرر أنت أن لا تنهار معه. هذه البطولة ليست مجرد منافسة رياضية؛ إنها عمل هندسي شديد الدقة، صاغته غزة على معيار واحد: “لن نُهزم… حتى إن خسرنا كل ما يُمكن خسارته.” ولذلك، لا غرابة أن مشاهد اللاعبين أصبحت تُعيد تشكيل وعي الناس: وعي بأن الإنسان أعظم من جراحه، وأعمق من ألمه، وأقوى من الخراب الذي يحيط به.
أثرٌ يبقى… ورسالة لا تموت
ستُكتب تقارير. وستُعلق صور. وستُنشر مقاطع. لكن ما سيبقى حقًا… هو ذلك الضوء الذي يخرج من إرادة اللاعبين… ضوء لم تستطع الحرب إطفاءه، ولم يستطع الفقد تشويهه. بطولة مبتوري الأطراف في غزة ليست حدثًا… إنها حجة على العالم: أن من ينقصه طرف ليس أقل ممن يملك أطرافه الأربع، وأن من فقد جزءًا من جسده قد يكون أكثر اكتمالًا ممن لم يفقد شيئًا.
حين تصبح الرياضة لغة النجاة
ربما يرى لبعض أن هذه مجرد بطولة… لكن الحقيقة أنها أول حوار مفتوح بين الإنسان وجراحه، حوار خرج منه الإنسان منتصرًا. وفي عالم تتكدس فيه الهزائم الصغيرة داخل النفوس… تقف غزة، ببطولتها هذه، لتقول بصوت يسمعه من يريد ومن لا يريد: “نحن لا نلعب كرة قدم… نحن نلعب الحياة.”