الشيخ عطية صقر… حين كان العالم رسالة تمشي على قدمين

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في التاسع من ديسمبر، لا تمرّ ذكرى الشيخ عطية صقر كرقمٍ في تقويم، ولا كصورةٍ تُستدعى من أرشيف الذاكرة، بل كفراغٍ واسعٍ تركه رجلٌ كان حضورًا ممتدًا في الوعي، قبل أن يكون اسمًا في الكتب. تمرّ الذكرى، فنكتشف أننا لا نرثي شخصًا، بل نستدعي زمنًا كانت فيه الفتوى تربية، والعلم أدبًا، والعالم أبًا لا يعلو على الناس ولا ينزل عن العلم. ليس سهلًا أن تُختصر سيرة عطية صقر، لأن الرجل: ترك إرثًا علميًا تجاوز 38 كتابًا، من بينها سبعة مجلدات كاملة في الفتاوى، لكنه، في الحقيقة، ترك إرثًا أكبر مما كُتب: ترك أثرًا في جيلٍ كامل تربّى على صوته، وعلى منطقه، وعلى طريقته في الفهم قبل الحكم.

نشأنا على مائدته… دون أن نراه

في السبعينيات، لم يكن الشيخ عطية صقر ضيفًا عابرًا في الإذاعة، بل كان جزءًا من البيوت. كنا ننتظر: برامجه الفقهية، والأصولية والاجتماعية والثقافية، لم يكن يحدّثنا من برجٍ عالٍ، بل من مستوى العقول والقلوب معًا. كان صوته مأدبة علم، وصبره تربية، وطريقته مدرسة. نراسله… فيرد بخط يده وأقولها هنا بضمير الشاهد لا الراوي: كنتُ ممن يكتبون إليه الفتوى عبر البريد والجرائد، نخطّ السؤال ونرسله، ثم ننتظر. لا ننتظر مجرد جواب، بل ننتظر نبرة الشيخ. وكان الجواب يأتي… بخط يده. خطٌّ واضح، هادئ، لا عجلة فيه، ولا استعلاء. يبدأ بالتحية، ثم البيان، ثم التفصيل، ثم الدعاء. في تلك اللحظة كنا نشعر أن العالم لم يكن بعيدًا، وأن العلم لم يكن حكرًا، وأن السؤال – مهما بدا صغيرًا – مقدرٌ لأنه صادق.

وهنا سرّ من أسراره: كان يحترم السؤال قبل أن يجيب عنه. يظنه الناس مفتيًا فقط… وهو أكثر ظنّ كثيرون أن عطية صقر متخصص في الفتوى فحسب، والحقيقة أنه كان: واعظًا من الطراز الأول (وترتيبه الجامعي شاهد)، مربّيًا يعرف كيف يخاطب الشباب، فقيهًا متمكنًا من المذاهب، محدّثًا يقرأ المتن والرواة والتخريج، لغويًا دقيقًا، ومثقفًا واسع الأفق كان الفقه عنده بناءً متكاملًا: لغةً، وواقعًا، وثقافةً، ووعيًا اجتماعيًا.

الفتوى عنده ليست كلمة… بل مسؤولية

أذكر – ولا أنسى – سؤالًا بعثتُ به إليه في مسألةٍ معاصرة، كان يمكن أن يُجاب عنها بسطرين، لكن الشيخ: بدأ بتحديد المصطلح لغويًا، ثم اصطلاحيًا، ثم ذكر اختلاف المذاهب، ثم عرّج على استعمال المصطلح في ثقافات أخرى، ثم عاد إلى واقع الناس وحال السائل، وانتهى الجواب لا بحكمٍ جاف، بل ببصيرة. فهمت يومها أن: الفتوى ليست جوابًا… بل أمانة تُؤدّى. سبع مجلدات فتاوى… لا سبع مجلدات تساهل، مجلدات الفتاوى السبعة لم تكن: ترخيصًا مجانيًا، ولا تشددًا جافًا، بل كانت أنموذجًا فريدًا للتمكن الفقهي المعاصر: معرفة بالمذاهب، إحاطة بأصول الحديث، استحضار للسياق، وفهمٌ لطبيعة الناس وأحوالهم.

ذاكرة لا تخون

من يقرأ له، يدرك سريعًا: تواريخٌ هجرية، وميلادية، بل وحتى قبطية، ذاكرة عالية القوة، وحافظة مذهلة، لكنها لم تكن استعراضًا، بل أداة ضبطٍ علمي. علاقته بالريف… وفهمه للناس، من يتأمل فتاواه، يدرك أنه على صلةٍ وثيقة بالبيئة الريفية الزراعية: يعرف مواسم الناس، أحوالهم، لغتهم، معايشهم، ولذلك لم تكن فتاواه غريبة عن الأرض، بل نابتة من تربتها.

الفرنسية… والآفاق الواسعة

إتقانه للفرنسية لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل: نتيجة سفر، واحتكاك، وتجوال في بلدان عديدة، لا سيما غرب إفريقيا، عمل مترجمًا، وتعامل مع ثقافات مختلفة، فاتسعت رؤيته، وتحرّر من ضيق المحليّة دون أن يتنازل عن الثوابت.

ندوات الشباب… حيث كان يسمع قبل أن يتكلم

في ندواته مع الشباب: لا وعظ فوقي، ولا لغة وصاية، كان: يسأل، يستمع، يبتسم، ثم يجيب، طلاقة عجيبة، وحضور إنساني، وأدب في الحديث، وسمت يسبق الكلام.

ملامح وجه… ونور علم

من رآه لا ينسى: وجهًا مضيئًا، سكينة، ووقارًا بلا تصنّع، كأن العلم عنده نورٌ انعكس على الملامح.

في زمن محدودية البحث… كان عميقًا

قبل الإنترنت، وقبل محركات البحث، كان: يقرأ قراءة دقيقة، يجمع المراجع، يوازن الأقوال، ويذكر المصادر بدقة، عمق لا يُفسّره إلا صدق الطلب، وصفاء النية، يمزج الفتوى بالدعوة والتربية، فتواه لا تنتهي بالحكم، بل: تفتح باب توبة، أو تصحح فهمًا، أو تزرع وعيًا، أو تحفظ كرامة سائل، كان يعلم أن: الفتوى إن لم تُصلح القلب، فلن تُصلح الواقع.

نموذج… لا مجرد عالم

رحل الشيخ عطية صقر، لكن بقي: نموذجًا راقيًا، وصورة لما يجب أن يكون عليه العالم، وشاهدًا على زمنٍ كانت فيه الفتوى رسالة، لا منصّة. وفي زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وغاب فيه التؤدّد، نفتقده لا لأننا لا نجد فتاوى، بل لأننا لا نجد ذلك الميزان الدقيق بين العلم والرحمة. في ذكرى وفاته، لا نقول: رحمه الله فقط، بل نقول: جزاه الله عن علمه، وعن الناس، وعن جيلٍ تربّى على صوته وخطّه وأدبه، خير الجزاء. رحل الجسد، وبقي: الأثر، المنهج، والقدوة. وذاك… هو الخلود الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top