|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في صباح يوم 26 يناير 2026، استيقظت كينيا على نسماتٍ تحمل رائحة الأرض بعد المطر، وعلى ضجيجٍ هادئٍ يملأ المكان: أصوات فريق موكب الأمل، همسات التحضير، وابتسامات لا تحتاج إلى ترجمة. كان اليوم الثالث في الرحلة، اليوم الذي يثبت أن العمل الإنساني ليس مجرد جدولٍ يُنفّذ، بل هو روحٌ تُشَكّل، وتبادلٌ يتعلمه الإنسان من الإنسان، وإيمانٌ بأن المستقبل يُبنى بخطواتٍ صغيرة… لكنها ثابتة.
الفترة الصباحية بدأت بوصول الفريق إلى قاعة الاجتماعات، حيث كان الفريق ينتظرون بعيون تشعّ طموحًا. كان القائد د مجدي عبيد يقف كأنه ناصحٌ حكيم، لا يُلقي دروسًا، بل يزرع أفكارًا. وبجانبه المايسترو هيثم، الذي لم يكن مجرد مدرب، بل كان سِحرًا يحرّك الكلمات، ويُحوّلها إلى أفعال. بدأت الجلسة بتبادل خبراتٍ مفتوحة، لا تلتزم بحدود “أنا أعلّم” أو “أنت تتعلم”، بل كانت كأنها دائرة حياة، كل فرد فيها يمدّ يدًا، ويستقبل يدًا، ويشعر أن الفريق ليس مجرد مجموعة من الأسماء، بل هو كيانٌ واحدٌ يسير في نفس الاتجاه.
تحدث د مجدي عن الارتقاء بالأداء، ليس كهدفٍ في حد ذاته، بل كمسارٍ من أجل الإنسان، ومن أجل من يستحقون هذا الدعم. ومرّ الحديث إلى أن الجودة ليست فقط في النتائج، بل في طريقة الوصول إليها: بالشفافية، بالصدق، وبالنية الصافية. ثم جاءت لحظة “المايسترو” هيثم، الذي أدار الجلسة كما يدير الأوركسترا: بذكاءٍ، وبسلاسة، وبروحٍ فنية. لم يكن هناك ضغط، بل كان هناك تفاعل، وابتسامات، وأسئلة تُفتح كما تُفتح الأبواب في صباح جديد. ولا يغيب عن المشهد أم لؤي، القلب النابض الذي يربط بين الجميع، وتمنح بوجودها للقاعة دفءً من العائلة، وطمأنينةً من الإيمان، وكأنها تقول للجميع: ” لستُ هنا لأكون شاهدًا… بل لأكون يدًا تُمسك بأيديكم، وقلبًا يدفئ قلوبكم، حتى يصير العطاء لنا سِرًّا واحدًا نُسعد به الآخرين”
في منتصف الجلسة، كان هناك “لحظة” – لحظةٌ يمرّ بها كل من في القاعة ويشعر أن شيئًا ما في داخله تغير. ربما كان ذلك لأنهم أدركوا أن العمل لا يُصنع من “خطط” فقط، بل من “علاقات” تُبنى على الثقة. ثم جاء السؤال الذي أرهق الجميع… لكنه أثارهم: كيف نحول التحديات إلى فرص؟ لم يأتِ الجواب من شخصٍ واحد، بل جاء من الجميع. وفي كل جواب كان هناك لمسةٌ من الحكمة، ولمسةٌ من التجربة، ولمسةٌ من الإيمان بأن الإنسان قادر على أن يكون أفضل، إذا أحسن الظن بالله ثم بنفسه. ثم خُتمت الجلسة بعبارةٍ بسيطة، لكنها كانت كقلبٍ يطرق على باب كل حاضر: “القيادة ليست منصبًا… بل مسؤولية، والتميز ليس رفاهية… بل واجب.”
بعد الظهر جاء وقت اللقاء الإداري بين الفريقين، وكان عنوانه واضحًا منذ البداية: الشفافية… والنزاهة… والاستدامة. جلس الجميع في قاعةٍ تحمل أجواءً رسمية، لكن ما فيها كان أكثر من ذلك: كان فيها روحٌ إنسانية لا تُخفى. بدأ الحديث حول كيف يمكن أن تكون الشفافية أساسًا في كل خطوة، وكيف يمكن أن تُبنى الثقة بين الجهات، وكيف يمكن ألا يكون الدعم مجرد “منح” بل “شراكة” مستمرة. وفي لحظةٍ ما، بدا أن “الشفافية” لم تعد كلمة تُقال، بل أصبحت أسلوبًا يُعيش. وكانت “النزاهة” كأنها ضوءٌ في منتصف القاعة، لا يحتاج إلى أن يُذكر، بل يحتاج فقط أن يُرى في سلوك الجميع.
ثم انتقل الحديث إلى الاستدامة، وهي كلمةٌ ليست سهلة. لكن في هذا اللقاء، لم تُناقش الاستدامة كفكرة نظرية، بل كمسارٍ عملي. تحدثوا عن كيف يمكن أن تتحول المشاريع من مجرد “حلول مؤقتة” إلى “تأثير دائم”، وكيف يمكن أن تُخلق برامجٌ تستمر حتى بعد انتهاء الدعم، وكيف يمكن أن تكون الشراكة شراكةً حقيقيةً، لا تعتمد على حضور شخصٍ واحد، بل على بنيةٍ مؤسسية قوية.
ثم جاءت فقرة مشروعات الاستدامة التي حملت شعارًا صادقًا، عميقًا، وكأنه شعارٌ كُتب من رحم الواقع: “من الاحتياج إلى الإنتاج… ومن الغذاء إلى الإنماء.” في هذه الفقرة، كان الحديث عن المشاريع التي لا تكتفي بإطعام الناس اليوم، بل تُعلّمهم كيف يزرعون غذاءهم بأنفسهم، وكيف يخلقون مصدر دخلٍ مستدام. لم تكن الفكرة مجرد “مشروع” بل كانت رؤيةٌ تُعيد للإنسان كرامته، وتعيد له ثقته في قدرته على أن ينهض.
تخيلوا معي: مشروعٌ صغيرٌ في البداية… يتحول إلى دورةٍ تدريبية… ثم إلى مجتمعٍ صغيرٍ من المنتجين… ثم إلى شبكةٍ اقتصادية… ثم إلى أثرٍ كبيرٍ في حياة الناس. وهنا كان جمال العمل: أن الإبداع ليس في “الفكرة” فقط، بل في أن تُحوّل الفكرة إلى واقعٍ يلمسه الناس.
وفي نهاية اليوم جاء بوفيه العشاء كأنه احتفالٌ صغير، لكنّه كان كبيرًا في معناه. تبادلوا فيه شحذ الهمم، وتبادلوا فيه الحديث عن المستقبل، وكأن كل واحد فيهم يحمل حلمًا، وكل حلمٍ يحتاج إلى يدٍ تُقوّيه. في هذه اللحظات، ظهر “سر” موكب الأمل: أنه ليس مجرد رحلة عمل، بل رحلة قلوب… قلوبٌ تتعارف، وتتكامل، وتؤمن أن الخير لا ينتهي، وأن العطاء لا يعرف حدودًا.
ثم جاء الحديث عن ثلاثية د مجدي عبيد: الثراء… العطاء… الارتقاء. والأولى، هي الثراء… ليس ثراء المال، بل ثراء الروح. ثروة الإنسان الحقيقية هي أن تكون لديه قدرة على العطاء، وأن يكون قلبه مفتوحًا للآخرين.
وإذا كان الثراء هو البداية، فالعطاء هو الطريق، والارتقاء هو الهدف.
وبينما كان الليل يهبّ بهدوء، كان الجميع يستعدّون للعودة إلى البلاد غدًا، 27 يناير 2026، الثلاثاء. كانت هناك لحظاتٌ من الصمت، لكن هذا الصمت كان صامتًا كأنه صلاة. صمتٌ يحمل امتنانًا، وصمتٌ يحمل دعاءً، وصمتٌ يحمل وعدًا: أن ما بدأ في كينيا لن ينتهي عند الحدود، بل سيستمر في القلوب، وسيستمر في الأثر.
اللهم لك الحمد على كل نعمة، ولك الحمد على هذه الفرصة التي جمعتنا في خدمة إنسانٍ يحتاج إلى الأمل. اللهم اجعل هذه الرحلة شهادةً لنا لا خزيًا، وذكرياتٍ ترفعنا لا تثقلنا، واجعلها بدايةً لخيرٍ دائمٍ يظل ينبض في القلوب ويُثمر في الأرض. اللهم ألّف بين قلوبنا كما ألّفت بين قلوب فريق موكب الأمل، واجعلنا عونًا لبعضنا في السرّ والعلن، وأعنّا على أن نكون كما نُحب أن نُرى، وأن نُرضيك في القول والعمل. اللهم بارك فيمجدي عبيد، هيثم، كريمة، وليد، أم لؤي، أمل، عادلة، راشد، سلطان، جميلة أم سلطان، نعيمة، جميلة الندابي، محمد فؤاد، وفي كل فريق يوني ستي، الحاضر منهم والغائب. اللهم احفظهم بحفظك الذي لا يرام، واجعلهم في كنفك أمانًا وسلامًا. اللهم ارزقهم من الخير ما يملأ قلوبهم، ويُضيء دروبهم، ويزيد أرزاقهم نورًا وبركةً، ولا تحرمهم سعادةً لا تنفد. اللهم اجعل ما بذلوه في سبيلك شفيعًا لهم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، واجعل أعمالهم نورًا يسبقهم إلى قبرهم، ويُضيء لهم طريق الحساب. اللهم املأ صدورهم بالرضا الذي يطفئ كل قلق، ويجعلهم راضين بحكمك، شاكرين لنعمك، مطمئنين بقدرك. اللهم اجعل أيامهم القادمة سكينةً وثمارًا، واغمر أهاليهم وذويهم برحمتك وطمأنينتك، وارزقهم من السعادة ما يُنسيهم هموم الدنيا. اللهم اجعلهم من السعداء في الدنيا والآخرة، وارزقنا معهم لقاءً طيبًا في الفردوس الأعلى، برحمتك يا أرحم الراحمين. آمين يا رب العالمين.