عندما نغادر أرضًا… وقد تركنا فيها عمرًا كاملًا

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في الأول من يوليو عام 1994، لم أكن أعبر حدودًا جغرافية، كنت أعبر عتبة العمر. دخلتُ هذه الأرض- الكويت الحبيبة- وأنا في الحادية والثلاثين، العمر الذي يظنّ فيه الإنسان أنه يعرف الطريق ثم يكتشف أن الطريق هو الذي سيعرّفه بنفسه. لم أصل يومها مثقلًا بالحكمة، بل محمّلًا بالأمل. لم أكن أمتلك أجوبة، لكنني كنت أمتلك الجرأة على السؤال، والاستعداد لأن أتعلم ولو كلفني ذلك أعوامًا من الصمت.

واليوم، في العاشر من يناير عام 2026، لا أغادر كما وصلت. أغادر وقد ترك الزمن بصمته عليّ، لا تجاعيد وجه فقط، بل تجاعيد فهم ونضج قرار، وهدوء قلب تعلّم ألا يتعجل الخلاص. اثنان وثلاثون عامًا إلا أيامًا…ليست إقامة وليست اغترابًا، بل حياة كاملة عاشت داخل حياة أخرى.

حين تطيل البقاء في مكان، يتوقف عن كونه مكانًا. يصير مرآة. ترى فيه نفسك كما هي، لا كما تحب أن تراها. هذه الأرض لم تسألني يومًا من أكون، لكنها أجبرتني – بهدوء -أن أُجيب نفسي. فيها تعلّمت أن الرزق ليس سباقًا، بل امتحان نية. وأن العمل ليس إثباتًا للذات، بل عبادة حين يُؤدّى بإخلاص. وأن الصبر ليس انتظارًا أعمى، بل فهم عميق لتوقيت الله. لم تكن الأيام كلها رحيمة، ولا الظروف دائمًا منصفة. كانت هناك لحظات شعرتُ فيها أن الحمل أثقل من الكتف، وأن الطريق أطول من الطاقة، وأن الصمت أحيانًا أعدل من الكلام.

لكنني – بفضل الله – لم أُصادق العتاب، ولم أتخذ من الشكوى وطنًا. اخترتُ أن أفهم بدل أن ألعن، وأن أحتسب بدل أن أُخاصم. وهنا تكمن الفكرة التي لم يُحسن كثيرون التعبير عنها: أن الأرض التي تحتضنك لا تُطالبك بأن تُغنّي لها دائمًا، لكنها تختبرك: هل تحترمها حتى حين تتعب؟ هل تظل عادلًا حتى حين تُخذل؟ هل تبقى إنسانًا حتى حين يضيق المشهد؟

هذه الأرض احتضنتني… نعم، احتضنتني. حتى حين قست. فالقسوة ليست نقيض الاحتضان، بل أحد أشكاله حين يكون الهدف التكوين لا الإلغاء. فيها رأيت الناس على حقيقتهم، وفيها رأيت نفسي بلا أقنعة. نجحتُ أحيانًا، وأخفقتُ أحيانًا أخرى، لكنني – في كل الأحوال -لم أبع نفسي، ولم أساوم على قيمي، ولم أستبدل راحة الضمير بأي مكسب عابر. كبرتُ هنا. لا من حيث العمر فقط، بل من حيث الفهم. تعلمتُ أن القيادة ليست صوتًا عاليًا، بل قرارًا عادلًا. وأن الاحترام لا يُنتزع، بل يُبنى بصبر طويل. عرفتُ معنى أن تعمل مع بشر يختلفون عنك، في اللغة، وفي الثقافة، وفي طريقة التفكير، ثم تكتشف أن المشترك الإنساني أوسع من كل الفوارق.

وحين أقول إنني أغادر بلا تمجيد زائف، فذلك لأن التمجيد الزائف ظلم. هو ظلم للتجربة، وظلم للحقيقة، وظلم للإنسان الذي عاش التفاصيل. وأغادر بلا عتاب فجّ، لأن العتاب الفجّ يُريح الغضب، لكنه يقتل الحكمة. أغادر بميزانٍ واحد: العدل. أعطي كل شيء حجمه الحقيقي، لا أقل، ولا أكثر. أعترف أن هذه الأرض أعطتني، كما أعترف أنها أخذت مني. لكنها – في المحصلة – جعلتني أكثر اتزانًا، وأقل اندفاعًا، وأشدّ قربًا من الله. وهذا أعظم مكسب. أغادر وأنا أعلم يقينًا أن الأوطان لا تُقاس بعدد السنوات، ولا تُختصر في ختم دخول وخروج. الأوطان تُقاس بما تغيّر فيك وأنت تعيش فيها.

وإن سُئلت: هل ستشتاق؟ لقلت: نعم… لكن اشتياق العارف، لا اشتياق المكسور. اشتياق من يقول: عشتُ هنا عمرًا، وأدّيت ما استطعت، وأغادر وظهري مستقيم.

هذا النص ليس وداعًا تقليديًا، ولا رسالة شكر بروتوكولية، بل وثيقة وفاء تقول بوضوح: الوفاء لا يسقط بانتهاء الإقامة. والاحترام لا ينتهي بتغيير العنوان. والذاكرة النبيلة لا تُمحى بتبدّل الجغرافيا. سأغادر، لكنني لن أتنكر. لن أختصر، ولن أزوّر المشاعر. سأحمل معي وجوهًا، وأصواتًا، ومواقف، وأيامًا كانت ثقيلة لكنها صادقة. وسأترك خلفي دعاءً خالصًا: أن تبقى هذه الأرض مأوى لمن أحسن النية، وميدانًا لمن أراد أن يتعلم، ومكانًا يتّسع للاختلاف دون أن يفقد إنسانيته.

إن بقي هذا النص، فلأنه كُتب من عمرٍ كامل. وإن قُرئ بعد سنوات، فلأن فيه شيئًا من صدق لا يشيخ. وإن قال قارئ يومًا: “هذا لم يُكتب… بل عُيش” فذلك أصدق وسام. في العاشر من يناير 2026، لن أغادر الكويت ضعيفًا، ولا ساخطًا، ولا نادمًا. سأغادر كما ينبغي لمن عاش طويلًا في مكان: بهدوء، وبامتنان، وبقلبٍ يعلم أن الله لا يضيع عمرًا صُرف بصدق. هذه ليست نهاية، بل إغلاق باب بإحسان. ومن يُحسن الإغلاق، يفتح الله له أبوابًا لا تخطر على بال. غادرتُ… لكنني لم أخرج من الوفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top