|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
لم تكن مائدة إفطار شعبانية عابرة في رزنامة الأيام، ولا مناسبة تُسجَّل ثم تُنسى، بل كانت مساءً له نَفَس التاريخ، ودفترَ ودٍّ كُتب بالحضور قبل الكلمات. الدوحة القطرية، مساء الاثنين 7 شعبان 1447هـ الموافق 26 يناير 2026م، كانت على موعد مع معنى مختلف للضيافة، معنى لا يُقاس بكثرة الأطباق، بل بصدق النية، وعمق الروح، ورسوخ الجذور.
كانت الدعوة عزيزة، من العزيز سيد بركات – أبو بركات، دعوة لا تحمل صيغة رسمية ولا تكلّف العبارات، بل تشبه أصحابها: هادئة، صادقة،واثقة. وصلنا مع صديقٍ حميم، من أولئك الذين لا تُكمل الأمسية دونهم، ومعنا شعور أن شيئًا خاصًا ينتظرنا. تزامن الوصول مع أذان المغرب؛ لحظة تلاقت فيها السماء مع الأرض، والدعاء مع المائدة، والسكينة مع الوجوه.
تمرٌ وماء… هكذا يبدأ الكبار، وهكذا علّمنا الزمن. ثم سلة فاكهة وضِعت وكأنها تحية أولى للجسد قبل الروح. وبعدها صلاة المغرب، لم تكن روتينًا، بل كانت فاصلاً جميلاً بين نهارٍ مضى ومساءٍ سيُحكى عنه طويلًا. تلا الإمام من سورة القلم، وكأن الآيات جاءت لتضع إطارًا أخلاقيًا للمشهد كله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾فقلت في نفسي: ما نحن فيه الآن هو تجلٍّ لهذا الخلق، لا تفسيره.
ثم جاءت المائدة…وهنا يجب أن نتوقف، لا لوصف الطعام فحسب، بل لوصف المعنى. كانت مائدة من العمق المصري، لا من وصفات الكتب ولا من مطابخ الاستعراض، بل من يدٍ تعرف ما تفعل، ومن قلبٍ يعرف لماذا يفعل. مائدة لا تجيدها إلا البيوت العريقة، تلك التي ورثت الطهي كما ورثت القيم. صناعة الغالية أم بركات، لا بوصفها طاهية، بل بوصفها أمًّا تعرف أن الطعام رسالة، وأن المائدة لغة، وأن الإكرام عبادة صامتة.
شوربة اللحم الساخنة، تلك التي لا تُقدَّم لتُؤكل فقط، بل لتُشفى. دفءٌ يسري في الجسد، وليمونٌ يوقظ الحواس، وكأن الشتاء ينسحب احترامًا لهذه البداية. ثم جاءت الصينية الدائرية، وكأن الدائرة مقصودة: لا زوايا حادة، لا تفاضل، الجميع في مستوى واحد. طيور ولحم: بط، دجاج، حمام، وقطع لحم ذات هندسة دقيقة، موضوعة على أرز محشو، ليس مجرد أرز، بل حكاية مطبخ عاش طويلاً.
طاجن بسلة ولحم، أرز معمّر بطبقة تحكي صبر النار، مبروم مصري لا يخطئه ذوق، وأطباق سلطة كأنها بستان خضروات اجتمع على المائدة، بطاطا مقلية “شيبسي” ببراءة الطفولة، طبق خس، جبنة مصرية قديمة عتيدة، لها رائحة الذاكرة وطعم الزمن، ورقاق لا يُقدَّم إلا حين يكون الكرم في أوجه.
لم تكن المائدة مزدحمة، لكنها كانت مكتملة.وهنا أتذكّر قول العقاد، حين لم يجعل العظمة في الوفرة، بل في المعنى، حين قال – بمعناه – إن القيم لا تُقاس بما تملكه الأيدي، بل بما تحمله النفوس. هذه المائدة كانت ترجمة صادقة لذلك: كفاية بلا بخل، وكرم بلا إسراف.
وعلى المائدة دار حوار، ليس من النوع الذي يُقاطع الطعام، بل الذي يُكمله. حديث عن التقاليد والأعراف المصرية في المناسبات، عن العلاقات الاجتماعية التي لا تقوم على المنفعة، بل على الأثر الطيب. عن التكامل، وحب الآخرين، وفضيلة التقدير المتبادل. حديث عن التعاون في الأزمات والملمات، عن الوقوف مع الناس لا فوقهم، وعن الاقتصاد في الحياة لا شُحًّا، بل رضًا.
هنا حضر ابن خلدون دون أن يُذكر اسمه صراحة، حين تحدّث عن العمران، وكيف تقوم المجتمعات على التآزر، لا على التنافس الأعمى، وعلى القيم الجامعة لا على المصالح الضيقة. كانت المائدة نموذجًا مصغرًا لـ “العمران الإنساني” الذي تحدّث عنه: أسرة، ضيف، حديث، احترام، وطمأنينة.
ثم جاء دور الشاي… شاي يُقدَّم بعد امتلاء النفس قبل المعدة، ثم قهوة تركية، لها وقارها، ثم عصير ليمون بالعسل الأبيض، كخاتمة ذكية تُعيد التوازن، وتترك في الفم أثرًا من انتعاش لا يُنسى.
ظننا أن هذا هو الختام…لكن الكرم لا يعرف كلمة “انتهى”. عند المغادرة، هدية تمر، وكأن الرسالة تقول: نحن لا نودّعكم، نحن نمدّ الأثر معكم.
هنا تذكّرت حاتم الطائي، لا بوصفه أسطورة كرم، بل بوصفه فلسفة: أن تعطي لأن العطاء جزء من تعريفك، لا لأنك تنتظر مقابلًا. هذا المساء لم يكن فيه استعراض، ولم يكن فيه حديث عن فضل، لأن الفضل كان حاضرًا دون إعلان. كانت مشاعر العطاء واضحة، الحب غير معلن لكنه محسوس، السماحة لم تكن شعارًا، بل ممارسة.
غادرنا المكان ونحن نشعر أن شيئًا ما أُضيف إلى أرواحنا، لا إلى ذاكرتنا فقط. مائدة علّمتنا أن الضيافة ليست ما نضعه على الطاولة، بل ما نتركه في القلب. أن الإفطار ليس لحظة أكل، بل لحظة وصل. وأن البيوت التي تُدار بالحب، تظل عامرة حتى لو ابتعد عنها أصحابها. في تلك الليلة، لم نأكل فحسب… لقد تعلّمنا.
وتعلّمنا جيدًا أن بعض الموائد تُشبع الجسد، وبعضها – كهذه – تُعيد ترتيب الإنسان من الداخل.
اللهم يا من تودِع البركة حيث شئت،
بارك لهذا البيت – بيت سيد أبو بركات – وأهله بركةً لا تُرى بالعين فقط، بل تُحَسّ في الصدور. اجعل جدرانه سترًا، وسقفه أمانًا، ومائدته رحمةً، وكلمته طيبة، وصمته سكينة.
اللهم اجعل أهل هذا البيت إذا أعطَوا أخلصوا، وإذا حضروا أأنسوا،
وإذا غابوا تُرك أثرهم جميلًا لا يُمحى.
وسِّع لهم في الرزق دون أن يضيق عليهم القلب، وأغنهم بك عن كل ما سواك، واحفظ بينهم الودّ فلا تفرّقه الأيام ولا تُضعفه التفاصيل.اللهم إن هذا بيتٌ عُمِر بالعطاء لا بالضجيج،
وبالنية الصادقة لا بالمنّ، فأكرمه بعافيةٍ دائمة، ونورٍ في القرار،وبركةٍ في الأعمار، وأمانٍ يسكن قلوبهم قبل أن يسكن أبوابهم. اللهم اجعل اجتماعهم طاعة، وحديثهم حكمة،
وضيافتهم شاهدًا لهم لا عليهم،
واكتب لهم من كل خيرٍ نصيبًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ومن كل دعاءٍ قبولًا…
واجعل هذا البيت مباركًا أينما كان وأينما حلّ.
جزاكم الله خيراً استاذنا، ما فعلنا الا الواجب وجهد المقل والاحتفاء بكم يستحق كل يوم ولساعات ولا يشبع من مجلسكم الكريم والانس يكم ، الصدق والصفاء وجبر الخاطر ونقاء السريره وطيب الكلام وحسن الاستماع والنظرات الحانية
ولمساتكم الابوية واحتوائكم لنا والتوجيه بالتلميح لا بالتصريح كلها دروس وعبر لنا في الحياة والاثر الطيب.
دمتم استاذنا