|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في مساءٍ شعبانيٍّ مهيب، لا يشبه سواه، كانت الدوحة تستعدّ لمغرب الثلاثاء 27 يناير 2026، لا كمدينةٍ عابرة، بل كصدرٍ مفتوحٍ لاستقبال معنى قديم متجدّد: الكرم حين يكون عبادة، والضيافة حين تصير رسالة. لم يكن الموعد عابرًا، بل ثمرة مكالمات هاتفية متكرّرة، حملت في نبرتها إلحاح المحبّ لا مجرّد الدعوة، إلحاحًا يشبه قول العرب قديمًا: “إنما نلحّ لأننا نرى في اللقاء حياة”. العزيز محمد عبد الرحمن أبو مازن لم يكن يدعو لوجبة، بل كان يدعو إلى معنى، إلى مجلس، إلى زمنٍ يُعاد فيه ترتيب القلب قبل المائدة.
وقبل أن يميل قرص الشمس إلى الغياب، حضر بنفسه إلى محل الإقامة، لا سائقًا فحسب، بل مضيفًا قبل الوصول، فالمضيف الحقّ يبدأ ضيافته من الطريق، من السؤال، من الاطمئنان، من تلك الابتسامة التي تقول: وصلتم قبل أن تصلوا. انطلقت السيارة نحو المنزل المبارك، وكان الحديث خفيفًا، دافئًا، كأن شعبان نفسه يجلس في المقعد الخلفي يستمع. ومع الأذان، توقّف الزمن عند المسجد المجاور، ذلك المسجد الذي يعرف كيف يحتضن العابرين بلا أسماء، ويعيدهم إلى أسمائهم الأولى عند السجود. صلّينا المغرب، وكانت الآيات الختامية من سورة البقرة في الركعة الأولى كأنها ختمُ أمانٍ على القلب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
ثم جاءت سورة المسد في الركعة الثانية، قصيرةً في حروفها، ثقيلةً في دلالتها، لتذكّر أن المال بلا برّ هباء، وأن القرب الحقيقي ليس نسبًا ولا جاهًا، بل موقف.
خرجنا من المسجد وقد غسل القرآن ضجيج الأيام، وكان في الاستقبال القهوة العربية، لا بوصفها شرابًا، بل بوصفها إعلان سلام، ومعها التمر بأنواعه، تمرٌ لا يُعدّ، كأن كل نخلة أرسلت رسولها. هنا يبدأ الكرم العربي لا بالسؤال عمّا تحب، بل بتقديم ما يليق بك قبل أن تنطق. ثم انكشفت المائدة… لا دفعة واحدة، بل كما تنكشف الحكايات الجميلة، طبقًا بعد طبق، معنى بعد معنى.
تقدّم المحشي بأنواعه: ورق العنب، والباذنجان، والفلفل، الكرنب، والكوسة… كلّ واحدة تحكي قصة يدٍ صابرة، ونَفَسٍ طويل، وتتبيلٍ لا يُكتب في وصفة، لأنه يُورّث ولا يُدوَّن. كان المحشي هنا ليس طعامًا، بل ذاكرة أمّ، وامتداد بيت، وصوت مطبخٍ يعرف أهله، ثم جاء طبق اللحمة المحمّرة، ثابتًا، واثقًا، كأنه عمود الخيمة، وإلى جواره صينية دجاج محمّر بلون الذهب، تفوح منه رائحة تعبٍ جميل، تعبٍ يُحبّ لأنه يُقدَّم للغير. أما الشوربة… فكانت الحكاية. شوربة من الذرة والخضار والمشروم، لكنها في تلك الليلة كانت دواءً مباركًا للبرد، كأنها صُنعت بنيّة الشفاء قبل نية الإشباع. هنا يتجلى معنى قول خديجة بنت خويلد رضي الله عنها حين وصفت رسول الله ﷺ: “إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم” … فالإطعام حين يُقصد به الجبر، عبادة خالصة.
وجاءت الملوخية الخضراء، بلونها الذي يطمئن، وطاجن المسقعة الذي يعرف كيف يجمع النار والهدوء في آن، وطبق الباذنجان المخلل بخلطةٍ لا توصف، خلطة لو سُئلت عنها اليد التي صنعتها لابتسمت وقالت: هكذا تعلمنا. أما سلطة بستان الخضروات، فكانت كأن الأرض نفسها جلست على المائدة، ومعها الخبز المصري المقرمش الساخن، ذلك الخبز الذي لا يُؤكل وحده، بل يُغمس في الحنين. وشرائح الفلفل المخلل، والمشروبات المتنوعة، لتكتمل دائرة العناية، فلا يُترك ذوق بلا رعاية.
ثم ظننا أن المائدة قالت كل ما عندها… فإذا بها تبتسم وتقول: ما زال في القلب متّسع. فجاءت المائدة الثالثة: سحلب دافئ، شاي، قهوة عربية، كنافة تُقدَّم لا كحلوى بل كخاتمة فرح، وسلّة فاكهة متعددة: جوافة، تفاح، برتقال، ومعها عصير البرتقال الطازج، طازج كالنوايا. في تلك اللحظات، تذكّرت قول الرافعي: “ما الجمال؟ هو أن ترى في الشيء أكثر مما يراه غيرك.” وقد رأينا في هذه المائدة أكثر من طعام: رأينا نية، ورأينا بيتًا يعرف معنى الفضل، ورأينا سيدةً فاضلة – أم رائد – لا تطبخ بيدها فقط، بل بقلبها، ورأينا أبا مازن لا كمضيف، بل كحارس لقيمةٍ آخذة في الندرة: أن تكرم لأنك تحب، لا لأنك تُجامل.
كان المجلس عامرًا، والضحكات خفيفة، والقلوب ممتلئة، لا ثِقل فيها، ولا تكلّف. وهنا يُفهم الكرم الحقيقي: ليس في كثرة الأصناف، بل في طمأنينة الجالس، في شعوره أنه مرحّب به دون شروط. ومع اقتراب الختام، لم يكن الوداع استعجالًا، بل دعاءً صامتًا بأن تدوم هذه البيوت، وأن يُحفظ هذا النوع من الناس، أولئك الذين إن فتحوا بيوتهم فتحوا معها بابًا من أبواب الرحمة.
وفي الختام، لا يسع القلب إلا أن يرفع دعاءً خالصًا: اللهم بارك لهذا البيت، وبارك في أهله، وبارك في محمد أبو مازن، واجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وبارك في أم رائد، واجعل ما صنعت شاهد حبٍّ لا ينقطع، واحفظ الأبناء، واكتب لهم نصيبًا من هذا الكرم خُلقًا وسلوكًا، واجعل هذا المنزل عامرًا بذكرك، مطمئنًا بحضورك، مضيئًا بنوايا أهله. اللهم كما جمعتنا على مائدةٍ في شعبان، فاجمعنا على مائدة رضاك، ولا تحرمنا من نعمة الودّ، ولا من شرف القرب، ولا من بيوتٍ إذا دخلناها شعرنا أن الدنيا ما زالت بخير.