|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم تكن القيادة في القرآن فكرةً طارئة، ولا مهارةً تُكتسب، ولا سلطةً تُمنح، بل كانت – منذ أول لحظة – سؤالًا وجوديًا. سؤالًا لا يُطرح بصوتٍ عالٍ، بل يُلقى في القلب، ويُترك هناك حتى يُجيب صاحبه بسلوكه لا بلسانه. ﴿الم﴾ هكذا تبدأ سورة العنكبوت. حروفٌ لا تُفَسَّر، لكنها تُشعر. وكأنها تقول: ليس كل ما هو عميق قابلًا للشرح، وليس كل من شرح قاد. ثم يأتي السؤال الذي يفصل الناس بعضهم عن بعض، لا في الإيمان فقط، بل في الأهلية: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.
هنا، يبدأ تعريف القيادة الحقيقي. فالفتنة في منطق القرآن ليست اختبارًا عارضًا، بل سنة لازمة. قال الطبري: “ليُعْلَم الصادق من الكاذب”. لكن الصدق هنا ليس صدق القول، بل صدق الاحتمال. من يحتمل ثقل المعنى حين يُنزَع عنه الغطاء، وحين لا يبقى من السلطة إلا مسؤوليتها. كل من ظن أن القيادة تُعطى لأنه أهل، سيسقط عند هذه الآية. وكل من أدرك أن القيادة تُمنح بعد أن يُجرَّد، سيصبر. ولهذا لم تأتِ الفتنة بعد التمكين، بل قبله. لأن من لم يُفْتَن، لم يُهذَّب. ومن لم يُهذَّب، لا يُؤتَمَن.
يمضي الإنسان في طريق القيادة، وقد تعلّم أن القوة في التنظيم، وأن الثبات في التحالف، وأن البقاء في إحكام الشبكات. وهنا، لا يفاجئه القرآن بحكم، بل بصورة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ العنكبوت… أدقّ مهندس في الطبيعة، وأبرع ناسج، وأكثر الكائنات صبرًا على بناءٍ متقن. لم يُذَمّ لضعف حيلته، بل لوَهَن غايته. قال ابن عاشور: “الوهن ليس في الإحكام الظاهر، بل في فقدان ما يُقاوم به الهدم”. وهنا يكمن أخطر درس قيادي في السورة.
كم من قيادةٍ أتقنت الهيكل، لكنها فقدت المعنى. وكم من مؤسسةٍ أبهرت الناس بشبكاتها، ثم سقطت عند أول نفخة صدق. العنكبوت لا يبني عبثًا، لكنه يبني لذاته. لا يحمي إلا نفسه، ولا يرى في البيت إلا وسيلة. وهكذا كل قيادة لا تُبنى على “في الله”، بل على “من دون الله”: مصالح، صور، نفوذ، توازنات. شبكة تُمسك، لكنها لا تُنقذ. وتُقيِّد، لكنها لا تُحرِّر. وتنهار، لأن ما بُني بغير معنى، لا معنى لبقائه. وهنا، لا يكتفي القرآن بالتحذير، بل يُمهّد للبديل.
في ختام السورة، لا يأتي الوعد لمن صبر، ولا لمن صلّى، ولا لمن فهم، بل لمن جاهد: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ قال الغزالي: “الجهاد الحق هو مجاهدة البواعث قبل مجاهدة العوائق”. وهذا هو جوهر القيادة. الجهاد هنا ليس حركة خارجية، بل صراع داخلي طويل، صامت، مُرهق. جهاد النية حين تختلط، وجهاد النفس حين تُزيِّن، وجهاد الصبر حين يتأخر الوعد.
ثم يأتي الوعد، لا بالطريق، بل بالطرق: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ قال ابن تيمية: “من صدق في طلب الحق، هداه الله ولو بعد حين”. والسبل جمع، لأن القائد الحقيقي لا يُقاد بعصا واحدة، بل يُمنح بصيرة التمييز. يعرف متى يتقدم، ومتى ينتظر، ومتى يتراجع ليحفظ المعنى. ويُختم الوعد لا بالتمكين، بل بالمعية: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الإحسان… ذلك المقام الذي يجعل القائد يراقب نفسه أكثر مما يراقب الآخرين. ويُتقن العمل، لا طلبًا للثناء، بل خشية أن يخون الأمانة.
ثم، وكأن القرآن لا يريد للقيادة أن تبقى فردية، ينقلك مباشرة إلى مشهد التاريخ: سورة الروم. ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هزيمة صريحة. حضارة تُهزم، وقوة تسقط. لكن ابن خلدون، بعد قرون، سيفهم هذا الدرس حين قال: “إذا فسد المعنى، سقط العمران ولو طال بقاؤه”. والقرآن سبق هذا التحليل، لا بوصف السقوط، بل بوصف ما بعده: ﴿وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ليس لأنهم أقوى، بل لأن التاريخ لا يحكم باللحظة، بل بالسنن. هنا تكتمل الخارطة: بيت العنكبوت يسقط لأنه بُني بلا معنى، وأمة تُهزم قد تنهض لأنها لم تفقد جوهرها. وصدق القائل: “الحضارات لا تموت بالهجوم، بل بالاستسلام الداخلي”. وهذا هو الفرق بين سقوط العنكبوت، ونهوض الروم. وهكذا، تتكامل المواضع الثلاثة في نسق واحد: بدايةٌ تُخبرك أن القيادة فتنة لا لقب، وسطٌ يحذّرك من الزيف المنظم، ختامٌ يُعلمك أن الجهاد شرط الهداية، وسورة تالية تُثبت أن الهزيمة ليست نهاية
هذه ليست قيادة تُدرّس في برامج، ولا تُختصر في مهارات. هذه قيادة تُبنى في الداخل، وتُختبر في الفتنة، وتُصان بالإحسان. ومن هنا نفهم: أن القائد في منطق القرآن ليس من يسبق الناس، بل من يثبت حين يتراجع الجميع. ليس من يجمعهم حوله، بل من يحفظ المعنى بينهم. هذا النص… ليس مقالًا. هو محاولة لقول ما سكت عنه كثيرون، لا عجزًا عن الفهم، بل ثِقَلًا في الثمن. وإن سُئلت: هل هذا ما لم يستطع أحد كتابته؟ أقول بهدوء من يعرف وزن الكلمة: لم يُكتب، لأن ثمنه غالٍ… ولا يدفعه إلا من آمن أن القيادة أمانة، لا مجدًا.