عودة موكب الأمل… حين تُختبر النية في طريق الرجوع

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

ليست العودة من الرحلات التطوعية نهاية التعب، بل كثيرًا ما تكون بدايته المؤجلة. فبعد ثلاثة أيام في كينيا، امتلأت بالعمل والوجوه والاحتياجات التي لا تُحكى كلها، جاء طريق الرجوع ليقول كلمته الأخيرة: إن من خرج بنيّةٍ صادقة، لا بد أن يُختبر حتى آخر خطوة.

كان التعب حاضرًا، لكنه تعبٌ يعرف أصحابه لماذا وُجد. ومع ذلك، حين تأخر الطيران، بدأ الوقت يضيق على الأجساد قبل الساعات. ثم كان المشهد الأثقل: إقلاع الرحلة دون اللحاق بها. لحظة لا تحتاج إلى كلمات، يكفي فيها الصمت، ونظرة تتساءل: هل بقي في الصبر متّسع؟ محاولات تعديل الحجوزات إلى درجة رجال الأعمال لم تُفلح. لم تكن المسألة ترفًا، بل محاولة لالتقاط أنفاسٍ أنهكها العمل الميداني، والسهر، والوقوف الطويل، والتنقل بين مواقع العطاء. لكن الأبواب أُغلقت، وكأن الرحلة تقول: ما بدأتموه عناءً… سيُختم بعناء.

ثم جاءت تأخيرات الحقائب، لتضيف عبئًا صغيرًا في ظاهره، ثقيلًا في توقيته. فالإنهاك حين يتراكم، تصبح التفاصيل الكبيرة والصغيرة سواء. ومع ذلك، لم يكن المشهد مشهد تذمّر، بل كان مشهد اختبار داخلي صامت. وسط هذه الظروف، برزت الرحلة بأكملها كدرس في الصبر والرضا، حيث كان الحضور أبلغ من الكلمات، والسكينة أعمق من الضجيج، والهدوء أصدق من أي شكوى. لم يكن التعب يُهوّن بالكلام، بل كان يُحوّل إلى ترتيب للمعاني في القلوب، لتبقى الروح صافية والعزيمة متجددة. كأن الفريق يقول دون أن ينطق: نحن لم نخرج لنعود مرتاحين، بل لنعود راضين، شاكرين الله على كل لحظة، متعلمين من كل مشهد، ومؤمنين بأن الخير في العمل معًا، وأن الأثر الحقيقي يبقى في القلوب قبل أن يُرى بالعيون..

هنا تتجلّى الحقيقة التي لا يراها كثيرون: الرحلات التطوعية ليست رفاهية، ولا استجمامًا مقنّعًا، ولا مشاهد تُلتقط للذاكرة. هي تعبٌ مقصود، ومشقّة تُحتسب، واختيار واعٍ لأن يكون الجسد في الصف الأول، بينما القلب معلّق بالأجر. في مثل هذه اللحظات، تتعرّى النيّات. من خرج للصورة يتضايق، ومن خرج للثناء يتبرّم، أما من خرج لله، فيصبر… لأن الصبر جزء من العقد غير المكتوب بينه وبين الطريق. وقد صدق من قال: الأجر على قدر النَّصَب.

عاد موكب الأمل متأخرًا في التوقيت، لكنّه عاد متقدّمًا في الميزان. عاد وقد ترك في كينيا أثرًا، وفي النفوس درسًا، وفي الطريق شهادة جديدة أن العمل الخيري ليس طريقًا مفروشًا بالراحة، بل مسارًا تُعبد فيه القلوب قبل الأقدام. لم تكن هذه العودة مجرّد انتقال من بلد إلى بلد، بل انتقال في الفهم. فهمٌ أعمق لمعنى التطوع، ولماذا لا يفهمه إلا من ذاقه، ولماذا لا يُحكى كما هو إلا لمن عاشه. عادوا بأجساد أنهكها السفر، وحقائب تأخرت، ومقاعد لم تُمنح… لكنهم عادوا بشيء أثقل وزنًا: روح عالية، ورضا ساكن، وأمل لم يتعب. وهكذا يُعرف موكب الأمل. لا يُقاس بسهولة الرحلة، بل بثبات الوجوه حين تشتد. ولا يُحكى عنه في لحظات الوصول، بل في اختبارات العودة. عظم الله النية، وبارك في الصبر، وكتب الأجر كاملًا غير منقوص.

ها قد اختتمت الرحلة المباركة، وقد تركت في القلوب ذكريات لا تُنسى، وعِبرًا تضيء مسيرتنا القادمة، وتثبت أن العمل الجماعي والنية الصافية هما سر النجاح وطيب المقام. أسأل الله عز وجل أن يبارك لكل فرد من هذا الفريق الرائع: اللهم اجعل مجدي مزهرًا بالإبداع، وكريمة نورًا في كل طريق تخطوه، وهيثم قوة وعزيمة في كل تحدٍ يواجهه، ووليد حكمةً ورشدًا في كل قرار، وأم لؤي راحة وسعادة في كل لحظة، وأمل أملًا متجددًا لا ينقطع، وعادلة عدلًا ورحمة في كل تعامل، وراشد توفيقًا ونجاحًا مستمرًا، وسلطان شجاعة وهمة، وجميلة أم سلطان بركة في كل يوم، ونعيمة راحة وسكينة، وجميلة الندابي إشراقًا وجمالًا دائمًا، ومحمد فؤاد سدادًا وإلهامًا لكل من حوله. اللهم اجمعهم دائمًا على المحبة، وبارك خطواتهم، واجعل أعمالهم خالصة لوجهك الكريم، واحفظهم من كل سوء، وارزقهم الخير الوفير في الدنيا والآخرة، واجعل هذه الرحلة ذكرى لا تُمحى، وسببًا لمزيد من التوفيق والسعادة في حياتهم ومسيرتهم. آمين يا رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top