القيادة التي تبدأ من إدراك الضآلة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم تبدأ القيادة يومًا من منصةٍ مرتفعة، ولا من صوتٍ جهوري، ولا من صورةٍ مصقولة على جدار التاريخ. القيادة الحقيقية بدأت دائمًا من لحظة خفيّة، لا يصفق لها أحد، لحظة يدرك فيها الإنسان ضآلته… لا احتقارًا لنفسه، بل معرفةً بمقامه. هناك فرق شاسع بين من يقول: أنا عظيم، ومن يقول في سره: أنا ضعيف… والله أكبر. الأول يبدأ بنفسه وينتهي عندها. والثاني يبدأ بنفسه… ثم يتجاوزها.

الضآلة ليست هزيمة… بل بداية صدق

حين يدرك الإنسان ضآلته، لا ينهار، بل يتحرر. يتحرر من وهم الكمال، من ضغط المقارنة، من ثقل الادعاء. قال ذو النون المصري: “ما وصل العبد إلى الله حتى رأى نفسه لا شيء”.  “لا شيء” هنا ليست عدمًا، بل افتقارًا واعيًا. والافتقار الواعي هو أخطر طاقة قيادية عرفها التاريخ. لأن من ظن نفسه كبيرًا: خاف أن يُراجع، خاف أن يُخطئ، وخاف أن يعتذر. أما من أدرك ضآلته: تعلّم، صبر، واستمر.

الله أكبر… ليست كلمة، بل منهج قيادة

حين يرتفع الأذان من أعلى المآذن، لا يقول: المؤذن أعظم ولا: المئذنة أعلى، بل يقول: الله أكبر وهنا تتجلى فلسفة القيادة التي لا تُدرّس: الصوت يرتفع… لكن العظمة لا تُنسب إليه،  المؤذن إنسان عادي: قد يمرض، قد يضعف، قد يخطئ لكن صوته يحمل ما هو أعظم منه، لذلك يصل. قال سهل بن عبد الله التستري: “ما ارتفع شيء بنفسه، إنما ارتفع بما حُمّل من حق.” القائد الذي يحمل “الله أكبر” في وعيه: لا يطغى، لا يحتقر، ولا يستصغر أحدًا، لأنه يعرف أن كل ما فيه… مستعار.

القيادة التي تتنفس من الأعلى لا من المرآة

القيادة التي تبدأ من ادعاء العظمة، تتغذى على التصفيق. فإذا سكت الناس… جاعت. أما القيادة التي تبدأ من إدراك الضآلة، فتتنفس من الأعلى… لا من المرآة. هي لا تسأل: كيف أبدو؟ كم اسمي لامع؟ بل تسأل: هل ما أفعله حق؟ هل الله راضٍ؟ قال أبو الحسن الشاذلي: “من طلب الرفعة بغير الله أذله الله ولو بعد حين.” وهذا “البعد حين” هو أخطر ما يواجه القادة، نجاح متأخر، وسقوط موجع.

لماذا يشجّع هذا المعنى الإنسان الضعيف؟

لأنه يقول له: لستَ مطالبًا أن تكون قويًا… بل أن تكون صادقًا. الضعيف حين يظن أن القيادة حكر على الأقوياء، ينسحب قبل أن يبدأ. لكن حين يفهم أن: الله أكبر من ضعفه، وأعظم من نقصه، وأعلم بنيّته، فإنه يتحرك. قال أبو سليمان الداراني: “ما سبق الصادقون بكثرة عمل، ولكن بصحة افتقار.” وهنا تتحول الضآلة من عائق… إلى وقود.

الإنجاز في ميزان الضآلة

الإنجاز في منطق العالم: أرقام، ألقاب، توسع، وضجيج، أما الإنجاز في منطق إدراك الضآلة: أثر، صدق، استمرارية، وبركة. قد ينجز الضعيف شيئًا صغيرًا في نظر الناس، لكنه عظيم في ميزان الله. وقد ينجز القوي مشروعًا ضخمًا، لكنه خواء في الداخل. قال الإمام الجنيد: “رب عمل صغير عظّمته النية، ورب عمل كبير صغّرته الغفلة.”

القائد الذي لا يخاف أن يقول: لا أعلم

إدراك الضآلة يخلق نوعًا نادرًا من القادة: لا يخجل من السؤال، لا يتكبر عن التعلم، لا يأنف من المراجعة وهؤلاء هم أخطر القادة… لأنهم ينمون. أما من ادّعى العظمة: تجمّد، دافع عن أخطائه، حاصر نفسه بنفسه قال الفضيل بن عياض: “من استغنى بعقله افتقر، ومن افتقر إلى الله اغتنى.”

القيادة التي تنجو من فتنة النجاح

أخطر ما يواجه القائد ليس الفشل… بل النجاح. لأن النجاح يغري بالادعاء. لكن من أدرك ضآلته: نسب النجاح لله، نجا من الغرور، واستحق المزيد، قال إبراهيم بن أدهم: “إذا رأيت الله يفتح لك باب الطاعة، فافتح باب الذل.” وهذا الذل هنا ليس انكسارًا، بل وعيًا بالمصدر.

لماذا هذا المعنى نادر؟

لأن السوق يحب: الواثق بنفسه حد الغرور، المتكلم بلا تردد، صاحب الشعار العالي، ولا يحب: المتواضع، المتردد خشية الظلم، الصامت تفكرًا، لكن التاريخ… لا يذكر إلا الصنف الثاني.

الخاتمة.. من الضآلة يولد الخلود

كل قيادة بدأت بـ “أنا” انتهت سريعًا. وكل قيادة بدأت بـ “الله أكبر” امتدت، ولو بعد حين. إدراك الضآلة لا يصنع قادة ضعفاء، بل يصنع قادة: أنقياء، صبورين، عميقي الأثر، ومن فهم أن الله أكبر… لم يحتج أن يكون كبيرًا. فهذا النص لم يُكتب ليُعجب، بل ليُوقظ. ومن قرأه وهو ما زال يرى نفسه عظيمًا… فلم يصل بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top