|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
إفطارٌ شعبانيّ بدأ بنداءٍ صادق، وانتهى بزمزم
الاثنين 09 فبراير 2026، ليس كل اتصالٍ يُسمع، بعضُه يُستجاب له في القلب قبل الأذن. رسالةٌ صوتية من الفاضل بو محمد حمد الهاجري، دعوة عشاء في مجلسه ببني هاجر-الدوحة- قطر، لكنها لم تكن عشاءً عابرًا، بل كانت موعدًا مع معنى، وكرمًا يُعيد ترتيب الروح قبل أن يملأ المائدة. كانت الاستجابة فورية، لا لأن الطعام ينتظر، بل لأن النداء صادق، ولأن القلوب التي تدعو إلى مجالسها لا تفعل ذلك إلا وهي تنوي الخير. اتفقنا أن تكون إفطارًا شعبانيًا، فصار الزمن مباركًا قبل أن نصل، وصارت النية ممهّدة للطريق.
الطريق الذي يبدأ بصلاة… لا ينتهي إلا بطمأنينة
في الطريق، كان القرار واضحًا: نبدأها صلاة عشاء جماعة. هكذا، بلا ترتيب مسبق، كأن الطريق نفسه قال: لا تمشوا إليّ إلا وأنتم متوضئون بالنية. في تلك اللحظات، تذكّرت قول أحد حكماء قطر: “الطريق الذي تُصلحه النية، لا تضيّعه المسافة.” كانت الصلاة بوابة الدخول، لا إلى المجلس، بل إلى المعنى. ومن بعدها صار السير طاعة، والحديث ذكرًا، والوقت خفيفًا كأننا نمشي ومعنا دعاء غير مرئي.
حديث الطريق… حين تُكشف أسرار الشعائر
ما بين المسجد والوجهة، لم يكن الحديث عاديًا. كان عن أسرار شعائر الله، عن تلك الأعمال التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أثقال السماء في باطنها. عن الصلاة حين تكون استجابة لا عادة، وعن الضيافة حين تكون عبادة لا مباهاة، وعن الطريق حين يصير نيةً تمشي. كان الحديث عميقًا، لا ضجيج فيه، وكأن الكلمات تُختار بميزان القلب لا اللسان. وفي أثناء ذلك، كانت متابعة الفاضل بو محمد تصلنا للاطمئنان على الوصول، متابعة لا تُشعرك بأنك ضيفٌ قادم، بل بأنك أهلٌ يُنتظرون. وهنا تحضر حكمة قطرية أخرى تُروى في المجالس: “من سأل عنك قبل أن تصل، استقبلك قلبه قبل بابه”.
مجلس بني هاجر… حين يتقدّم الكرم بلا إعلان
ما إن وصلنا، حتى سبقنا الكرم بخطوة. القهوة العربية تتقدّم المجلس، لا كضيافة، بل كتحية. التمر، طبق الفاكهة، وجوه باسمة، وسكينة لا تُشترى. في مجلس بني هاجر، لا تحتاج أن تُعرَّف بنفسك، الترحيب يقوم بالمهمة، والقهوة تختصر الكلام، والوقار يملأ المكان دون أن يفرض نفسه. كان المجلس يقول بصمته:
هنا، الكرم ليس طقسًا… بل خُلُق.
المائدة… حين تتحول النعمة إلى درس
ثم جاءت الدعوة إلى المائدة. ليست مائدة شهوانية كما يظن البعض، بل مائدة ممتنة. صينية كبيرة، عليها خروف كامل، أرز أصفر كأنه شمس صغيرة، أطباق سلطة كأنها بستان مصغّر من الخضروات، الهريس، اللبن، والماء، وكل شيء في مكانه، بلا إسراف، بلا تصنّع. تذكّرت قول أحد شيوخ قطر: ” النعمة إن لم تُحط بالشكر، انقلبت عبئًا، وإن حُملت بالنية صارت عبادة”. لم تكن المائدة للتفاخر، بل لتجسيد معنى: أن الله إذا أنعم، أحب أن يرى أثر نعمته دون إسراف ولا كِبر.
حديث الحج… حين يجتمع الطعام مع المقصد
وأثناء الطعام، انفتح الحديث عن الحج. عن الترتيبات، عن الشوق، عن الاستعداد القلبي قبل الإداري.
حديث لا يقطعه صوت مضغ، ولا يثقل على النفس، بل يرفعها. كان واضحًا أن الحج ليس موسمًا عندهم، بل غاية. ليس رحلة، بل موقف. وهنا قيلت عبارة بقيت في القلب: ” من رتّب لحجّه بصدق، رتّب الله له ما بعده.” في تلك اللحظة، فهمت أن المجالس التي يُذكر فيها الحج على المائدة، هي مجالس لا تُلهيها النعمة عن المنعم.
بعد العشاء… الفاكهة والدعاء والاطمئنان
عقب العشاء، لم ينتهِ المشهد. جاءت أطباق الفاكهة المتنوعة: بطيخ، عنب، كيوي، برتقال، تفاح، موز… ألوان، نضارة، ترتيب، وكأن المجلس يقول: الكرم لا يُستعجل. ثم كان الدعاء. دعاء رقيق، غير متكلّف، يمرّ على القلوب كما يمرّ النسيم، ويترك أثره دون أن يرفع صوته. بعده حديث للاطمئنان على الأحوال، ليس مجاملة، بل اهتمام حقيقي. سؤال يعرف متى يتوقف، وإنصات لا يقاطع.
زمزم… حين لا يسمح الكرم أن نغادر خفيفي الأثر
وقبل المغادرة، أبى الفاضل أبو محمد إلا أن نحمل معنا ماء زمزم. وهنا، اكتمل المعنى. ليس كل من أكرمك بالطعام، يذكّرك بالمآل. لكن من يودّعك بزمزم، يقول لك دون كلام: لا تنسَ الله في طريقك، كما لم ننسه في مجلسنا. قال أحد حكماء قطر قديمًا: أكرم الناس من يترك في يدك أثرًا، وفي قلبك دعاء.”
تأمل أخير… لماذا كانت هذه الليلة مختلفة؟
لأنها لم تكن دعوة، بل اصطفاء. لم تكن مجلسًا، بل سيرًا في طاعة. لم تكن عشاءً، بل درسًا في الكرم الإيماني. من العشاء الجماعي، إلى الطريق، إلى الصلاة، إلى المجلس، إلى المائدة، إلى الحديث، إلى الدعاء، إلى زمزم… كل شيء كان يقول: إذا صلحت النية، صار كل شيء عبادة.
دعاء الختام: اللهم اجزِ الفاضل بو محمد حمد الهاجري خير الجزاء، واجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وبارك في مجلسه هاجر وأهله، واجعل مجالسهم عامرة بذكرك، وبيوتهم عامرة بنعمتك، وقلوبهم عامرة بطاعتك. اللهم كما جمعتنا على مائدة، فاجمعنا على طاعتك، وكما أكرمتنا بزمزم، فاسقِ قلوبنا من يقينك، ولا تجعل هذا اللقاء آخر العهد بالخير. اللهم إن كانت هذه ليلة، فاجعل أثرها عمرًا، وإن كان هذا مجلسًا، فاجعل معناه طريقًا لا ينقطع.