القيادة التي تبدأ من الشكر

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم تبدأ أزمات القيادة في العالم من نقص الذكاء، ولا من ضعف الخطط، ولا من غياب الموارد. بدأت من لحظة صامتة لم ينتبه لها أحد: حين أُبعد الإنسان عن مركز القيادة، ووُضعت النتائج مكانه. ومن هنا، يبدو هذا النص البسيط الذي يبدأ بالحمد، والابتسامة، والرضا، وكأنه وعظ صباحي. لكن في عمقه، هو أخطر بيان قيادي يمكن أن يُكتب اليوم، لأنه يقترح – دون صخب – أن القيادة لا تُصلَح من الأعلى، بل من الداخل.

القيادة ليست فعل سيطرة… بل حالة اطمئنان

“فربك موجود، رزقك مكتوب، عمرك محدود”

هذه الجملة وحدها كفيلة بإسقاط نصف نظريات القيادة المعاصرة. لأنها تحرر القائد من ثلاثة أوهام قاتلة: وهم التحكم المطلق، وهم القلق على الرزق، وهم الخلود في المنصب، القائد الذي لم يتحرر من هذه الأوهام، سيتحول – مهما بلغت مهاراته – إلى مصدر توتر دائم. قال الرواقي إبكتيتوس: “من أراد أن يكون حرًا، فليتعلم ما الذي لا يملك السيطرة عليه”. وهنا تبدأ القيادة الحقيقية: حين يعرف القائد حدوده… فيطمئن.

الابتسامة كقرار قيادي

“ابتسم… فليس هناك ما تخسره”

في عالم الإدارة، لا تُدرَّس الابتسامة. لكن في الواقع، هي أول مؤشر على السلام الداخلي للقائد. القائد الذي يبتسم لأنه مطمئن: لا يُرهب فريقه، لا يُدار بالخوف، ولا يصنع قرارات انتقامية، الابتسامة هنا ليست سلوكًا اجتماعيًا، بل إعلان داخلي أن القائد لا يقود من جرح مفتوح. قال نيتشه: “أكثر القادة خطرًا هم الذين لم يتعلموا كيف يفرحون.”

إدارة اليوم قبل إدارة المؤسسة

“يكفيك من نور الصباح أنك تستيقظ بخير”

هذه الجملة تعيد تعريف النجاح القيادي. ليست الأهداف، ولا التقارير، ولا الإنجازات… بل القدرة على أن تبدأ يومك وأنت غير منكسر. القائد الذي لا يرى نعمة البداية: يستعجل النهاية، يضغط بلا رحمة، ويقود وهو مرهق روحيًا. أما الذي يبدأ يومه بالشكر، فقد حسم أعقد معركة قيادية: معركة الاستمرار دون احتراق.

حين لا يكون الطبيب على رأسك… هذه قيادة

هذه ليست موعظة، بل إعادة ترتيب سلم الأولويات القيادية. كم قائد خسر صحته ليحافظ على صورته؟ وكم مدير ضحّى بإنسانيته ليكسب منصبًا؟ النص يقول بهدوء: إن أعظم إنجاز قيادي هو أن تظل حيًّا، حاضرًا، قادرًا على الشكر. قال ألبرت شفايتزر: “النجاح الحقيقي هو أن تحافظ على احترامك للحياة وأنت تعمل.”

الرضا: المفهوم الذي تخشاه المؤسسات

“توجد نفوس راضية؛ وقلوب قانعة”

الرضا لا يُحب في بيئات العمل. لأنه يُساء فهمه كضعف. لكن الحقيقة أن الرضا هو أعلى درجات القوة الداخلية. القائد الراضي: لا يقارن نفسه بغيره، لا يحرق فريقه ليثبت تفوقه، ولا يتخذ قرارات من باب النقص، الرضا هنا ليس نهاية الطموح، بل تحرير الطموح من الجشع. قال كارل يونغ: ” ما لم يُشفَ في الداخل، سيُعاد إنتاجه في الخارج على هيئة صراعات.”

البحث عن الخير الخفي: أخطر مهارة قيادية

“فثمة خير خفي في كل أمر نحسبه شرًا”

هذه الجملة ليست تفاؤلًا، بل منهج قراءة للأحداث. القائد الذي لا يبحث عن الخير الخفي: يضخّم الفشل، ينشر الذعر، ويكسر الروح الجمعية، أما الذي يرى الهبة في كل موقف، فهو لا ينكر الألم… لكنه لا يسمح له أن يقود القرار. هذه القيادة هي ما تحتاجه المجتمعات في الأزمات، لا القائد الذي يصرخ، بل الذي يرى أبعد.

القيادة حين تفهم الأقدار

“وحينما لا يكون من نصيبك شيء اخترته…”

هذه قمة النضج القيادي. أن يعرف القائد متى يتوقف، ومتى لا يُكابر، ومتى يسلّم دون أن ينهزم. ليس كل ما نريده يُكتب لنا، وليس كل ما لم نأخذه خسارة. القائد الذي يفهم الأقدار: لا يطارد سرابًا، لا يُرهق فريقه في معارك عبثية، ولا يربط قيمته بما فاته. قال المؤرخ أرنولد توينبي: “الحضارات لا تنهار حين تفشل، بل حين تفقد معناها.”

القيادة التي لا ترفع صوتها… ترفع الناس

هذا النص لا يدعوك لأن تكون أقوى، بل لأن تكون أهدأ. لا يدعوك لأن تسيطر، بل لأن تثق. ولا يطلب منك أن تُثبت شيئًا، بل أن تكون شيئًا. القيادة التي تبدأ بالحمد: لا تحتاج إلى ضجيج، ولا تخاف من الصمت، ولا تستهلك البشر لتبرير وجودها، هي قيادة تعرف أن: البركة أسبق من الإنجاز، والمعنى أخلد من النتيجة، والإنسان أهم من المنصب.

 مسار جديد لا مدرسة جديدة

هذا المقال لا يقترح نظرية، ولا يبني نموذجًا إداريًا. هو يفعل ما هو أخطر: يعيد الإنسان إلى مركز القيادة. وحين يعود الإنسان: تستقيم القرارات، تهدأ المؤسسات، وتشفى المجتمعات ببطء… ولكن بعمق هذا ليس كلام صباحي. هذا تصحيح مسار. ومن فهمه، لن يقُد بعد اليوم كما كان… بل سيقود وهو مطمئن. وبيقين: هذا المسار… لو سلكه القادة، لتغيّر شكل العالم، بلا ضجيج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top