حين انحنى الظهر… واستقامت الأمم

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

الركوع: السرّ الذي يصنع القيادة من انحناءة واحدة

ليست كل انحناءة ضعفًا. وليست كل استقامة قوة. في عالمٍ يقيس العظمة بارتفاع القامات، ويقيس القيادة بحدة الصوت، ويزن الهيبة بعدد التابعين… يأتي الركوع في الصلاة ليقلب الموازين. تنحني. يساوي ظهرك الأرض. ينخفض رأسك بعد قيام. وتقول: “سبحان ربي العظيم.” هنا يبدأ التاريخ الحقيقي للقيادة. ليس في قاعات القرار، ولا في منصات التصفيق، بل في تلك اللحظة التي يلين فيها الظهر، ليشتدّ بها العمود الداخلي.

أول السرّ: العظمة التي تُقال وأنت منحنٍ

العجيب أنك في الركوع لا تقول: “سبحان ربي الأعلى”، بل تقول: “سبحان ربي العظيم.” كأنك تعلن أن العظمة لا تُدرك وأنت منتصب، بل وأنت منحنٍ. في الركوع اعتراف صريح: أنا لست العظيم. مهما ارتفعت، مهما امتدحتني التقارير، مهما خضعت لي الجموع… العظمة ليست لي. وهنا يتشكل أول أساس في القيادة: أن تعرف حجمك. ليس تواضع الكلمات، بل تواضع الوعي. كم من قائدٍ سقط لأنه ظن أن المؤسسة قامت به، لا أن الله أقامه لها. وكم من مشروعٍ انهار حين صار اسم صاحبه أكبر من رسالته. الركوع يضع حدًا لهذه الفتنة. يُذكرك أن كل ما بين يديك… عارية. وأن العظيم واحد.

ثاني السرّ: الظهر الذي انحنى… ليبقى مستقيمًا

في الركوع يُطلب منك أن تُسوّي ظهرك. لا انحناء مذل، ولا تقوّس متكبر. استواء في الانحناء. وهذا من أعمق أسرار القيادة. أن تنحني لله، لكن لا تنكسر للناس. أن تخضع للحق، لكن لا تخضع للهوى. أن تُلين قلبك، لكن لا تُميّع موقفك. التوازن الذي يُعلّمك إياه الركوع هو توازن نادر في عالم القيادة. فإما قسوة تُنفّر، أو ليونة تُفقد الهيبة. أما من تعلّم الركوع حقًا، فهو يعرف كيف يكون رحيمًا بلا ضعف، وحازمًا بلا قسوة.

ثالث السرّ: كسر العمود الفقري للغرور

الظهر رمز الكِبر. يُقال: “فلان مرفوع الرأس.” ويُقال: “فلان انحنى.” لكن في الصلاة… الانحناء ليس هزيمة، بل تربية. الركوع يكسر العمود الفقري للغرور قبل أن يكسره الزمن. كم من قائد كسره التاريخ لأنه لم يتعلم أن ينحني لله. تاريخ الأمم ليس فقط صعودًا وسقوطًا اقتصاديًا، بل صعود وسقوط أخلاقي. وما سقطت أمة إلا حين ظنت أن عظمتها ذاتية. “سبحان ربي العظيم” ليست تسبيحًا فقط، بل تصحيحًا لمفهوم العظمة.

رابع السرّ: محطة مراجعة قبل الرفع

تأمل ترتيب الصلاة: قيام… ركوع… ثم رفع من الركوع. كأن الركوع محطة مراجعة قبل أن ترفع رأسك مرة أخرى. القيادة كذلك. قبل أن تعلن قرارًا، اركع بقلبك. اسأل نفسك: هل في قراري نصيب للأنا؟ هل أبحث عن انتصار شخصي؟ هل أخشى أن أبدو ضعيفًا أمام الناس؟ الركوع يُبطئ الاندفاع. يمنح القرار عمقًا. يُخرجك من ردّة الفعل إلى الفعل الواعي. القائد الذي لا يعرف كيف يركع داخليًا سيُسرع خارجيًا ثم يندم.

خامس السرّ: الطمأنينة التي تصنع الوقار

من شروط الركوع الطمأنينة. لا حركة سريعة. لا انحناءة عابرة. سكون. حضور. استقرار. وهذا ما تحتاجه القيادة أكثر من أي مهارة. في زمن السرعة، الذي يتأنى يبدو بطيئًا. والذي يتفكر يبدو مترددًا. لكن الركوع يُعلّمك أن الوقار يولد من الطمأنينة. حين يركع القائد بقلبه قبل قراره، تخرج كلماته موزونة، وخطواته محسوبة، وصوته هادئًا حتى في العاصفة. وهذا هو الفرق بين إدارةٍ تُطفئ حرائق، وقيادةٍ تمنع اشتعالها.

سادس السرّ: “سمع الله لمن حمده”

بعد الركوع تقول: “سمع الله لمن حمده.” كأن الرسالة عميقة: من عرف عظمة الله في انحنائه، سمع الله له عند قيامه. القيادة التي تحمد الله في الخفاء، يُسمع لها في العلن. ومن ينسب الفضل لنفسه، يُسحب منه التوفيق ولو بقي المنصب. كم من قائد بقي في موقعه… لكن سُحبت منه البركة. وكم من رجل بلا منصب سُمع له في الأرض. الركوع يربط بين الخضوع والتوفيق، بين التواضع والتمكين.

سابع السرّ: الانحناء الذي يصنع الشجاعة

قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن أعظم الشجاعة تولد من أعظم الخضوع. من انحنى لله، لا يخاف البشر. من عرف أن العظمة لله، لا يُرهبه تهديد، ولا يُغريه مدح. الركوع يُحررك من الخوف الخفي: خوف الصورة، خوف النقد، خوف خسارة المكانة. القائد الذي تحرر من هذه المخاوف هو أجرأ الناس في الحق.

ثامن السرّ: مدرسة يومية لتقويم الذات

خمس مرات في اليوم تنحني. كأن السماء تقول لك: لا تأمن نفسك. لا تظن أنك استقمت مرة وإلى الأبد. كل يوم قد تتسلل الأنا من جديد. كل يوم قد يكبر داخلك شيء لا ينبغي أن يكبر. فيأتي الركوع كمعمل تصحيح يومي. إن عشت الركوع وعيًا، فلن يتراكم داخلك كِبر. وإن أهملته، كبرت داخلك عروش صغيرة لا تراها…حتى تُسقطك.

تاسع السرّ: القيادة التي تبدأ من الأرض

حين يقترب ظهرك من الأرض، تتذكر أصلك. من تراب. وإلى تراب. كل ما بينهما أمانة قصيرة. الركوع يُذكرك بأن القيادة ليست صعودًا دائمًا، بل رحلة قصيرة بين بدايتين متشابهتين. من استحضر هذا المعنى، لن يظلم. لن يتجبر. لن ينسى أن كل قرار سيقف به يومًا بين يدي من هو أعظم.

عاشر السرّ: من انحناءةٍ واحدة… يولد القائد

ليست القيادة مهارة خطاب، ولا براعة تخطيط فقط. إنها حالة قلب. والركوع يُعيد تشكيل القلب. في انحناءة واحدة، تُسقط وهم العظمة، تُراجع نيتك، تُبطئ اندفاعك، تُهدئ قلقك، تُعيد تعريف قوتك. ثم ترفع رأسك وأنت تقول: “سمع الله لمن حمده.” ترفعه أخفّ مما كان. أنقى مما كان. أصدق مما كان. وهكذا تخرج من الركوع قائدًا جديدًا، حتى لو لم يتغير منصبك.

خاتمة تهز القلب

الركوع ليس حركة في الصلاة، بل منهج حياة. من لم يتعلم أن ينحني لله، سينحني لشيء آخر. ومن لم يكسر غروره في سجادة صلاته، سيكسره الواقع أمام الناس. “سبحان ربي العظيم” ليست كلمة تُقال، بل عهد يُجدد. عهد أن تظل العظمة في مكانها الصحيح. وأن يظل قلبك خفيفًا مهما ثقلت مسؤولياتك. وأن تبقى القيادة عندك رسالة… لا مرآة. فإذا رأيت قائدًا هادئًا في العاصفة، متواضعًا في القمة، ثابتًا في النقد، عادلًا في الخصومة… فاعلم أنه تعلّم الركوع قبل أن يتعلم القيادة. ومن انحناءةٍ واحدة قد يستقيم تاريخ أمة. ومن ركعةٍ خاشعة قد يولد قائد يُصلح ما أفسدته سنوات من الغرور. فاللهم علّمنا الركوع كما تحب، واجعل في كل انحناءةٍ لنا استقامةً في قراراتنا، ونورًا في قيادتنا، وصدقًا في مسيرتنا. آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top