|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم تكن العربية يومًا لغةً تبحث عن اعتراف، ولا لهجةً تسعى إلى شهادة ميلادٍ أممية، ولا حروفًا تنتظر يومًا عالميًا لتُرى. العربية وُلدت قبل الأيام، وتكلّمت قبل المؤتمرات، واصطفاها الله قبل أن تُقاس اللغات بعدد المتحدثين أو حجم الأسواق. في اليوم العالمي للغة العربية، لا نحتفل بلغةٍ فقط… بل نقف أمام اختيارٍ إلهيّ.
﴿بلسانٍ عربيٍّ مُبين﴾
ليست “مبين” صفةً لغوية فحسب، بل موقفًا ربانيًا من الالتباس. فالعربية لم تُنزَل لتُربك، ولا لتُخفي، ولا لتُغلق أبواب الفهم، بل جاءت لتُبيّن… لتفتح الطريق بين المعنى والقلب دون وسطاء. ثم جاء الإعلان الأعظم: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا﴾ “أنزلناه” … فالمصدر من السماء، واللغة مختارة، والرسالة خاتمة. لم يقل: أنزلناه بأي لسان، ولا قال: تُرجم، ولا قال: حُمِّل على لغةٍ قائمة، بل نزل قرآنًا عربيًا، كأن العربية لم تكن وعاءً فقط، بل جزءًا من التكوين. ثم أعادها الحق مرةً بعد مرة، لا للتكرار، بل للتثبيت:
﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ ﴿وكذلك أنزلناه قرآنًا عربيًا﴾
كأن الوحي يُصرّ: انتبهوا… ليست المسألة لغة، بل هوية رسالة. ثم جاء الوصف الذي لا يحتمل التأويل: ﴿قرآنًا عربيًا غيرَ ذي عِوَج﴾ استقامةُ المعنى من استقامة اللسان. لا اعوجاج في العقيدة، ولا التواء في المنهج، ولا اضطراب في البيان. لغةٌ مستقيمة لتحمل شريعةً مستقيمة. ثم قال: ﴿كتابٌ فُصِّلت آياته قرآنًا عربيًا﴾ تفصيل… لا اختصار مُخل، ولا إسهاب مُربك، بل بناءٌ محكم، كل كلمة في موضعها، وكل حرفٍ في ميزانه. ثم ختم الشهادة: ﴿وهذا كتابٌ مُصدِّقٌ لسانًا عربيًا﴾ تصديقٌ لما سبق، واستمراريةٌ لما مضى، ووصلٌ لا قطيعة فيه بين الرسالات. هنا تتوقف اللغة عن كونها “أداة”، وتتحول إلى أمانة.
العربية… حين لا تكون حيادية
العربية ليست حيادية، هي لغة موقف. من نطق بها حمل وزنها، ومن كتب بها استدان من معناها، ومن أهملها فرّط في ميراثٍ لم يكن له وحده. هي اللغة التي: أقامت حضارةً دون استعمار، ونشرت علمًا دون إلغاء الآخر، وجمعت بين العقل والروح دون صراع بها كُتبت أولى قواعد الطب، وبها صيغت فلسفة التوحيد، وبها خاطب الله الإنسان آخر خطاب.
اليوم العالمي… وسؤال لا يُطرح
في اليوم العالمي للغة العربية، نزيّن المنصات، ونتبادل الخطب، ونُحصي عدد المتحدثين. لكن السؤال الحقيقي لا يُطرح: هل نحن اليوم أهلٌ للغةٍ اختارها الله؟ هل نحملها بصدق؟ هل نُعلّمها بروحها أم بقشورها؟ هل نحميها لأنها رسالة، أم نعرضها لأنها تراث؟ العربية لا تطلب شفقة، ولا تخشى الذوبان، لكنها تسأل أبناءها: هل ما زال فيكم من يعرف أن هذه اللغة سجدةٌ قبل أن تكون جملة؟
خاتمة لا تُغلق الباب
العربية لا تُختَتم بمقال، ولا تُحتوى في يوم، ولا تُنقَذ بشعار. هي باقيةٌ ببقاء القرآن، خالدةٌ ما دام في الأرض من يتلو: ﴿بلسانٍ عربيٍّ مُبين﴾ أما نحن… فإما أن نكون على قدر اللغة، أو نُترك على الهامش، نُصفّق للغةٍ عظيمة ولا نجرؤ على السكن فيها. في اليوم العالمي للغة العربية، لا نقول: كل عام والعربية بخير، بل نقول: كل عام… هل نحن بخير مع العربية؟