الليلة الثانية: اليد الخفية التي تكتب الدعاء

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

خرجتُ من التراويح الليلة، لكنّي لم أعد أبحث عن نفسي…

كنت أبحث عن يدٍ.

ليست يدًا لأمسك بها أحد، ولا لأصافح، ولا لأخذ شيء…

بل اليد التي تكتب الدعاء حين لا يكون هناك قلم، حين لا يكون هناك ورق، حين يكون كل شيء أمام الله وحده.

كم من دعاءٍ رفعناه في صمت؟

كم من دمعةٍ نزلت دون أن يراها أحد؟

كم من قلبٍ ركع في الخفاء، ولم ينطق إلا الله بما فيه؟

تذكّرت قول العالم المغمور الذي لم يسمعه الناس: “الدعاء الخفي هو الذي يفتح القلوب قبل الأبواب، ويكتب الأثر قبل أن يُرى.”

ليست الكلمات هنا ما تُغيّرنا،

ولا الحروف ما تصنع أثرًا…

إنما اليد الخفية التي تكتب الدعاء فينا، بين خفقات القلب ونبض الصمت، تلك اليد التي لا نراها، لكننا نشعر بها.

في الصف الأخير من المسجد، رأيت عيون الأطفال، كانت صافيةً كصفحة بيضاء… لا يعرفون بعد صعوبة الصبر، ولا مرارة انتظار الإجابة،

لكن دعاءهم كان أقوى من أي خطاب.

ربما لأنهم لم يقرأوا عن الفضائل،

ولا حفظوا أحاديث،

ولا توقعوا شيئًا…

بل دعوا، فقط دعوا…

وقلوبهم كانت اليد الخفية التي يكتب بها الله السعادة على الأرض.

الليل صامت، والمدينة نائمة،

لكن قلبي يكتب وأنا أمشي إلى مقر الإقامة، أكتب لكل من رفع دعاءه في الخفاء: أن الله قد سمعك، وأن السماء لا تنسى من أعطى قلبه الصدق.

ثم تذكّرت: نحن لا نصنع المعجزات،

نحن لا نحفظ الأثر… كل ما نفعل هو أن نرفع القلوب، والله هو الذي يكتب الباقي.

رمضان ليس الشهر الذي نملأه بالطقوس… بل هو الشهر الذي نتركه يملأنا.

كل صلاة، كل ركعة، كل دعاء خفي، هو حبر في المعلّقة التي تُعلق في السماء. وكل قلب صادق، هو صفحة من صفحات الكتاب الذي لا ينتهي.

اللهم اجعل هذه الليلة شاهدة لنا لا علينا… واجعل أيدينا خفية في الدنيا، وكتبنا مرئية عندك يوم لا ظل إلا ظلك… وما زال في رمضان بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top