|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
لم أكتب هذه الكلمات لأُنشرها… بل لأتخفّف منها. فالليالي الأولى من رمضان ليست ليالي تقويمٍ هجريّ، بل محاكماتٌ سرّية بين العبد وربه.
خرجتُ من التراويح هذه الليلة،
والناس بين مهنّئٍ وملتقط صورةٍ ومُسرعٍ إلى مائدة متأخرة، لكن شيئًا ما كان يمشي معي غير قدميّ. كأن قلبي استيقظ فجأةً وسألني:
“هل جئتَ لتصلي… أم جئتَ لتعود؟”
رمضان لا يبدأ بالأذان. يبدأ حين تشعر أن الله يناديك باسمك الذي نسيته.
في الركعة الثامنة، كنت أستمع للآيات لا بعقلي، بل بجرحي. كل آية تمرّ كأنها تعرفني…
كأنها تقول:
“أما آن لهذا القلب أن يلين؟”
وتذكّرت قول أحد العارفين، كان يقول لتلاميذه:
“رمضان ليس شهر الصيام… بل شهر استعادة الاسم الحقيقي للروح.” اسمك الحقيقي ليس ما في بطاقتك، بل ما يعرفك الله به حين تقوم بين يديه.
ما الذي تغيّر الليلة؟ لا شيء… وكل شيء. السماء هي السماء. المسجد هو المسجد. الإمام هو الإمام. لكن الداخل لم يعد هو الداخل. شعرت أني لا أريد أن أكون أفضل من أحد، ولا أن أُظهر شيئًا، ولا أن أُصلح العالم. أردت فقط… أن أكون صادقًا.
الصادق لا يرفع صوته. ولا يُكثر الكلام.
الصادق يبكي حين لا يراه أحد.
رمضان ليس منافسة في عدد الختمات، ولا سباقًا في صور الموائد،
ولا استعراضًا لطول القيام.
رمضان امتحانُ خلوة. أن تكون وحدك…
ولا تفعل إلا ما يُرضي الله.
الليلة الأولى ليست لكتابة الخطط.
هي لكتابة العهد. أن تقول في سرك:
“يا رب… لن أكون كما كنت.”
حتى لو سقطت بعد أيام، حتى لو ضعفت، حتى لو تعثّرت…
يكفي أنك حاولت أن تبدأ بصدق.
وأنا أكتب الآن، المدينة هادئة، والناس بين نائمٍ وساهر. لكنني أشعر أن السماء مفتوحة.
وأن أبوابًا غير مرئية تنتظر من يطرقها بدعاءٍ خافت.
يا رب… لا تجعل رمضان يمرّ كما مرّ غيره. لا تجعلنا نخرج منه كما دخلناه.
لا تجعل صلاتنا عادة، ولا صيامنا تقليدًا، ولا دعاءنا كلماتٍ محفوظة.
اجعلنا نخرج منه بشيءٍ واحدٍ على الأقل: قلبٍ أنقى.
إن كانت هذه المعلّقة الأولى،
فليكن عنوانها الحقيقي: “البداية.”
وإن قرأها أحدهم بعد سنوات، فليعلم أن رجلاً في ليلةٍ هادئة
خرج من التراويح
وقرر أن يعود إلى الله
قبل أن يعود إلى بيته.
اللهم اجعل هذه الليلة شاهدةً لنا لا علينا… وما زال في رمضان بقية.