الليلة الثامنة عشرة: حين تهتف الروح بلا صوت… ويُسمع القلب ما لا تُسمعه الآذان

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

الليلة الثامنة عشرة…
ليست للوقت ولا للتاريخ…
إنها للنفوس التي بدأت تدرك أن رمضان ليس مجرد أيام تمرّ…
بل هو مرآة صافية للروح.

خرجتُ من التراويح،
والمسجد خالٍ إلا من همس المصلين.
لكن داخلي كان مليئًا بصخب لم يُسمع،
كأن كل صلاةٍ، كل ركعةٍ، كل دعاءٍ،
ترك أثرًا خفيًّا في أركان قلبي،
ولا يحتاج إلى شهادة أحد.

في هذه الليلة،
تتعرّى النفس من كل ما يلتف حولها من شعور بالواجب أو الخوف أو العادة.
يصبح الإخلاص مرآةً لا كذب فيها،
والدعاء همسًا صافيًا بينك وبين الله،
يستشعره القلب قبل الشفاه.

رأيت طفلةً صغيرة ترفع يدها دون أن يعرفها أحد،
ورجلًا مسنًا يرفع قلبه لا صوته،
وشابًا يبتسم لخفاء الروح في قلبه،
ففهمت أن كل واحد منهم يخوض ليلةً من الثامنة عشرة في قلبه،
حيث المعارك لا تُرى…
والنصر لا يُحسب إلا بالإيمان.

تذكّرت قول الحسن البصري:
“الصمت أبلغ من القول أحيانًا… وصدق القلب أعظم من كل جهد ظاهر.”
وهنا، في هذه الليلة، أدركت أن رمضان يعلّمنا كيف نصمت لنسمع،
وكيف نخفي لنرى النور،
وكيف نقف بلا حراك لنشعر بكل ما هو أبدي.

الليلة الثامنة عشرة تعلّمنا أن القوة لا تُقاس بما نرى،
بل بما يتحرك فينا ولا نراه.
أن النور لا يحتاج إلى قناديل…
بل إلى قلبٍ يصدّق وجوده.

عدتُ إلى مقر الإقامة،
وأنا أحمل في صدري هدوءًا يشبه صلاةً لا تُرفع،
وشوقًا ينمو بلا صوت،
ونورًا رقراقًا يمسح ما تبقّى من ثقل الأيام.

ما زال في رمضان بقية…

اللهم اجعل قلوبنا تصغي لما لا تُسمعه الآذان،
واجعل أعمالنا صافية لا يلوثها رياء،
وارزقنا نورًا رقراقًا يسبق خطواتنا،
وشوقًا صادقًا لا يضعف،
ودعاءً يسمعه القلب قبل أن يُقال.

آمين يا رازق القلوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top