|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في التاسع من مارس عام 2012 طوى الزمن صفحة رجل، لكنه لم يطوِ أثره. كان اسمه أبو عبد الرحمن عبد اللطيف الهاجري، غير أن اسمه لم يكن يومًا مجرد حروف تُنادى، بل سيرة تمشي بين الناس، وذكرًا طيبًا يسبق صاحبه إلى القلوب قبل المجالس. ولعل السؤال الذي يمرّ على القلب كلما مرت الذكرى: ما السر الذي كان بينك وبين الله يا عبد اللطيف؟ ليس سؤال حيرة بقدر ما هو سؤال دهشة.
فقد مرّت السنوات، وتبدلت الوجوه، وتغيرت المدن، غير أن سيرة الرجل ما زالت تسافر وحدها. ما من مجلس سفرٍ جلست فيه، ولا مجلس عملٍ بين مسؤول وغير مسؤول، يعرفك أو لم يعرفك، إلا ويذكر اسمك. كأن سيرتك كانت سفيرك الدائم، تمضي قبلك إلى المجالس، وتجلس في القلوب قبل أن يصل اسمك إلى الأسماع. يقول أحد الحكماء: “هناك رجال يعيشون بين الناس أعوامًا، فلا يعرفهم أحد. وهناك رجال يغيبون أعوامًا، فلا يغيب أثرهم عن أحد.” وكان عبد اللطيف من الصنف الثاني.
منذ ذلك اليوم البعيد، صار لي موعد لا يتغير. كل أسبوعين، يوم السبت عقب الضحى، أمضي إلى المقبرة. ليس لأن الموت يحتاج زيارة، بل لأن الوفاء يحتاج موعدًا. أقف عند قبره، فأجلس كما كنا نجلس في الحياة. لا صخب هناك، ولا حركة، غير أن القلب يفتح حديثه كما أن الرجل يسمع. أحكي له عن الأيام التي مرت، وعن الوجوه التي لا تزال تذكره، وعن المواقف التي عادت إلى الذاكرة فجأة كأنها حدثت بالأمس.
زيارة القبور تذكّر الإنسان بالموت، هذا ما يُقال عادة. لكن زيارة عبد اللطيف تذكّرني بالحياة… بالحياة التي تُعاش كما ينبغي. وما أكثر ما يتردد في خاطري قول حكيم: “إذا أردت أن تعرف مقام رجل عند الله، فانظر كم بقي من أثره في القلوب بعد رحيله.” كان الرجل بسيطًا في مظهره، هادئًا في صوته، لكن وراء ذلك الهدوء عالم كامل من الأخلاق.
لم يره أحد غضبان قط. لم يسمع أحد صوته مرتفعًا على إنسان. كانت البسمة لا تفارق وجهه، كأنها جزء من ملامحه، لا يملك أن يتركها حتى إن أراد. خفض الجناح لم يكن عنده تصرفًا متكلفًا، بل طبيعة. أذكر يومًا حدث فيه نقاش بينه وبين أحد المرؤوسين. نقاش عادي يحدث في أي مؤسسة. انتهى اليوم، وغادر الموظفون، ثم أرسل عبد اللطيف أحد الزملاء ليشتري علبة شوكولاتة. نزل بنفسه إلى الموظف، وقدّمها له وهو يبتسم قبل مغادرة الدوام. لم تكن شوكولاتة. كانت درسًا. درسًا في أن القلوب لا تُدار بالسلطة، بل بالمحبة. وكان يقول أحد الحكماء: “الكلمة الطيبة قد تُطفئ نار خصومة، لكن الهدية الصغيرة قد تُطفئ نار القلب.”
وكانت إنسانيته لا تقف عند حدود المكتب. في قرغيزيا، أصيب أحد العاملين بمرض – عافانا الله وإياكم – وكانت الأدوية غير متوفرة هناك. لم يكتفِ عبد اللطيف بإرسال المال أو السؤال، بل اشترى الدواء من الهند، وسافر بنفسه إليه على نفقته الخاصة، حاملاً الدواء بيده. لم يكن الأمر استعراضًا. لم يكن خبرًا يُكتب. بل كان شيئًا طبيعيًا بالنسبة له. كان يرى أن الإنسان إذا استطاع أن يخفف ألم أخيه ولم يفعل، فقد ضيّع فرصة منحها الله له.
وكانت للحياة عنده وجوه أخرى. من بينها الحجامة. لم يكن يمارسها كهواية عابرة، بل تعلّمها علمًا. كان بعض رجال الأعمال المانحين يحرصون كل عام على أن يجري لهم الحجامة، وكان يفعل ذلك بنفسه. ليس لأن الأمر شرف، بل لأنه خدمة. وكان يسافر إلى قرغيزيا، فيجري الحجامة للعاملين هناك، وللطلاب، وللأيتام.
تلك اللمسة الصغيرة التي تعني الصحة… كانت عنده بابًا آخر للعطاء. لكن أجمل ما في الرجل ربما كان علاقاته بالناس. كان يعزز الأخوة الصادقة دون أن يسمح لأي أمراض اجتماعية أن تقترب منها. لا حسد، لا تنافس خفي، لا حسابات صغيرة. كان يؤمن أن العلاقة التي لا تنمو بالمحبة تذبل بالمصالح.
وكان بيته… قصة أخرى. لم يكن بيتًا عاديًا. كان بيت ضيافة حقيقي. بعض العاملين والضيوف القادمين من خارج البلاد كانوا يقيمون فيه ليس يومًا أو يومين، بل شهورًا. يعيشون كما إن كانوا في فندق. سلة ملابس للغسيل، مواعيد ثلاث وجبات، وتوفير سيارة، عناية كاملة بالضيوف. لكن الفرق أن الفندق يقدم الخدمة مقابل المال. أما عبد اللطيف فكان يقدمها مقابل المحبة.
وكانت له علاقة خاصة برجال الأعمال المانحين الذين يرافقونه في رحلات العمل إلى مناطق المشاريع. كان ينظم لهم الرحلات كأنها برنامج سياحي. يرافقهم بنفسه، ويخدمهم حتى آخر لحظة من اليوم. وكان الجميع يظنون أنه يقيم معهم في الفندق. لكن الحقيقة أنه كان يقيم في شقة الضيافة القريبة من الأيتام، توفيرًا للنفقات، وترشيدًا للمصروفات. لم يكن يريد أن يُصرف على نفسه دينار يمكن أن يذهب إلى يتيم.
ومن أعجب ما يُذكر عنه… المال. سنوات طويلة عمل في العمل الخيري دون أن يدخل جيبه دينار واحد. حتى جاء يوم أصر فيه الأمين العام للمؤسسة آنذاك على أن يكون له عقد رسمي، بعد إلحاح استمر سنوات. قبل أخيرًا… لكنه فعل شيئًا لا يفعله إلا رجل يعرف سر العلاقة بينه وبين الله. كان يوضع راتبه شهريًا في أمانة الصندوق. وقبل سفره لأي رحلة عمل، يتصل ويطلب المتوفر. يأخذ منه ما يحتاجه فقط… ثم يمضي. لم يكن يعود به. ولم يكن أحد يعرف من كان نصيبه، بقي السر بينه وبين الله.
ولهذا كان السؤال يتكرر في القلب: ما السر الذي بينك وبين الله يا عبد اللطيف؟ كيف استطعت أن تمر في حياة الناس دون أن تجرح أحدًا؟ كيف استطعت أن تعطي دون أن تتحدث عن عطائك؟ كيف استطعت أن تخدم دون أن تنتظر شكراً؟ يقول أحد الحكماء: “الناس نوعان: من يعمل ليُرى، ومن يعمل لأن الله يرى.” وكان عبداللطيف من النوع الثاني.
اليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زالت ذكراه حاضرة. أصلي أحيانًا في مسجد المشاري في اليرموك… مسجده. فأشعر أن المكان يعرفه. الجدران التي شهدت صلاته، والسجاد الذي حمل خطواته، والمحراب الذي وقف خلفه. الأماكن أيضًا تحفظ الذاكرة. ثم أخرج، وأمضي في الطريق، وأفكر في تلك الحقيقة العجيبة: أن الإنسان قد يرحل، لكن أثره يبقى كأنه حي. يقول حكيم: “العمر الحقيقي للإنسان لا يُقاس بالسنين التي عاشها، بل بالسنين التي ظل فيها أثره حيًا بعد رحيله.”
ولذلك… حين أجلس عند قبره يوم السبت عقب الضحى، لا أشعر أنني أزور ماضيًا. بل أشعر أنني أجلس مع درس حي. درس يقول إن الحياة ليست بطولها، بل بنبلها. وليست بما نأخذه منها، بل بما نتركه فيها. وأن السر الذي بين العبد وربه قد يصنع من حياة بسيطة سيرةً يتحدث عنها الناس في كل زمان ومكان.
رحمك الله يا أبا عبد الرحمن. رحمك الله يا عبد اللطيف الهاجري. لقد رحلت في يوم من أيام مارس… لكن سيرتك بقيت فصلًا مفتوحًا في كتاب الحياة. كتاب يقرأه الناس كل يوم… ويتعلمون منه أن الطريق إلى الخلود ليس في الشهرة، ولا في المال، ولا في المناصب. بل في قلبٍ صافٍ… عمل بصمت، وعاش لله، فحفظ الله له ذكره بين الناس.