|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
ليست كل الموائد تُعدّ لتُؤكل…
بعضها يُعدّ ليُحفظ في الذاكرة، ويُروى كأنّه فصل من سيرة النبل، أو درس من دروس المحبة التي لا تُدرّس، بل تُعاش.
وفي مساء الخميس، التاسع عشر من مارس 2026، في آخر يوم من رمضان 1447هـ… – قطر-لم تكن الدعوة مجرد إفطار، بل كانت نداء روح، واستجابة قلب، ومشهدًا إنسانيًا يختصر معنى العطاء حين يتجسد في بيتٍ يعرف كيف يُكرم الضيف… وكأنّه يُكرم الحياة ذاتها.
نداء لا يُعتذر عنه… حين يصبح الإصرار محبة
جاء الاتصال من أبي صهيب…
لم يكن مجرد دعوة عابرة، بل كان نداءً فيه من الصدق ما يجعل الاعتذار خجلًا، والتردد ضعفًا.حاولتُ الاعتذار، كما يفعل من يرهقه اليوم الأخير من رمضان، لكن الإصرار كان يحمل دفئًا مختلفًا… دفء من يقول: “وجودك ليس خيارًا… بل قيمة”.
وهنا تتجلى حكمة من حكماء القلوب: “بعض الدعوات لا تُلبّى لأننا نملك الوقت… بل لأنها تملكنا.”فكان الذهاب… لا تلبية دعوة، بل تلبية معنى.
رحلة قصيرة… لكنها ممتدة في القلب
مرّ أبو صهيب بمحل الإقامة، واستقللنا الطريق نحو البيت في الدوحة… والوقت يقترب من أذان المغرب، وكأن الزمن يتسارع ليشهد هذه اللحظة.لم يكن الطريق طويلًا، لكنه كان مليئًا بشعورٍ غريب… شعور أن القادم ليس إفطارًا عاديًا، بل لقاء يحمل في طياته شيئًا من السكينة التي لا تُشترى.
على بساطة البداية… تُبنى عظمة اللحظة
أُذّن للمغرب… وكان التمر، واللبن، والماء…هنا فقط، تدرك أن أعظم اللحظات تبدأ بأبسط الأشياء.
قال أحد الحكماء: “إذا أردت أن ترى بركة النعمة… فانظر كيف تبدأ، لا كيف تنتهي.”
ثم صلاة المغرب… وفيها خشوع لا يشبه سواه، كأن آخر يوم في رمضان يحمل في سجوده وداعًا خفيًا، وامتنانًا عميقًا. ثم صلاة الزلزلة والعصر… وكأن الترتيب هنا ليس زمنيًا، بل وجدانيًا…حيث تختلط الأزمنة في قلبٍ يعرف أن اللحظة الصادقة لا تُقاس بالساعة.
حين تتحول المائدة إلى لوحة… والذوق إلى رسالة
ثم جاءت المائدة… لا كطعام، بل كلوحة فنية، رسمتها يدٌ تعرف أن الإحسان ليس ترفًا، بل هوية. صينية محشي ورق العنب… وأخريات من الكرنب… لكنها لم تكن مجرد أصناف، بل كانت كما لو أنها مخططات هندسية دقيقة… كل قطعة فيها كأنها سُئلت: كيف تريد أن تكون؟ فأجابت بأناقة.
هنا تتجلى عبقرية أم صهيب…
امرأة لم تُعدّ الطعام، بل صاغت الذوق، وكأنها تقول:“الطعام قد يشبع الجسد… لكن الإتقان يشبع الروح.” ثم طاجن اللحم بالصلصة…
ودجاج محمّر بالفرن، يلمع كأنه خرج لتوه من ذاكرة الريف المصري الأصيل…
وأطباق الملوخية الخضراء…ذلك اللون الذي لا يُشبه إلا الحياة حين تكون طازجة، صادقة، بلا تكلّف. والمخلل المصري… كأنه يذكّر بأن التوازن سرّ الجمال… فلا طعم يكتمل وحده.
كل ما على المائدة…صناعة محلية، لكن بروح عالمية…إبداع لا يُقاس بالمكونات، بل بالمحبة التي صُنعت به.
الضيافة ليست تقديمًا… بل احتواء
لم تكن الضيافة هنا في كثرة الطعام، بل في دقته… في السؤال غير المسموع: “هل أعجبك؟” وفي الجواب الذي يظهر في العيون قبل الكلمات.
قال أحد العارفين: “الكرم ليس أن تعطي الكثير… بل أن تعطي ما يُشبه من أمامك.” وهذا ما حدث…
كأن كل طبق خُلق ليُرضي ذوقًا بعينه، وكل تفصيلة وُضعت لتقول: “أنت مهم”.
ما بعد المائدة… حيث يستمر الكرم بأشكال أخرى
بعد أن هدأت المائدة، بدأت مرحلة أخرى…المشروبات، لكن ليس بشكل عشوائي، بل “حسب الرغبات”. شاي بالنعناع… وآخر بالقرنفل… وأخرى مشروبات غازية.
وهنا يظهر معنى رفيع: أن الكرم لا ينتهي عند الامتلاء، بل يبدأ بعده.
ثم… يتقدم مشهد العيد مبكرًا. البسكويت، والكحك، والبيتي فور…
وكأن البيت يقول: “نحن لا نودّع رمضان… بل نستقبل العيد بقلوب ممتلئة.”
بين رمضان والعيد… لحظة لا تتكرر
في تلك الليلة، لم يكن الانتقال من رمضان إلى العيد مجرد تقويم…
بل كان إحساسًا حيًا. كأن الأرواح تقول: “ها نحن نغلق بابًا من الرحمة… ونفتح بابًا من الفرح.”
وهنا تحضر حكمة خالدة: “ليس العيد لمن لبس الجديد… بل لمن خرج من رمضان بقلبٍ جديد.” وفي ذلك البيت… كان واضحًا أن القلوب قد تجددت.
أبو صهيب… رجل يصنع المعاني قبل المناسبات
أما أبو صهيب… فلم يكن مجرد مضيف، بل كان صاحب رسالة. إصراره، حضوره، متابعته…كلها تقول إن هناك رجالًا لا يمرّون في حياتنا مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا يشبه البذور…تنمو لاحقًا في مواقف أخرى.
أم صهيب… حين تتحول الأنثى إلى مدرسة ذوق
وأم صهيب…ليست فقط سيدة بيت، بل مدرسة في الذوق، والإتقان، والاحتواء.هي تلك التي تفهم أن المائدة ليست طعامًا… بل لغة حب، لا تحتاج إلى ترجمة.
دعاء من قلب امتلأ امتنانًا
اللهم في هذه الليلة التي شهدت هذا الجمال… نسألك أن تبارك في أبي صهيب، وأن تكتب له من الخير أضعاف ما قدّم،وأن تجعل بيته عامرًا بالذكر، ممتلئًا بالسكينة، محفوظًا من كل سوء.
اللهم وبارك في أم صهيب… واجعل ما صنعت بيديها شاهدًا لها لا عليها، واكتب لها أجر كل ابتسامة، وكل راحة، وكل شعور جميل زرعته في قلوب من حولها. اللهم احفظ أبناءهم… واجعلهم امتدادًا لهذا الخير، وسفراء لهذا الذوق، وارزقهم برّ والديهم، ونور القلوب، وصلاح الحال.
اللهم اجمعهم دائمًا على الخير،
ولا تحرم بيتهم من الضحكات، ولا قلوبهم من الطمأنينة، واجعلهم من الذين إذا حضروا أشرق المكان، وإذا غابوا بقي أثرهم.
خاتمة لا تُكتب… بل تُشعر
ليست كل الموائد تُنسى بعد انتهائها… بعضها يبقى، كأنّه لم ينتهِ أصلًا. وهذه المائدة… لم تكن طعامًا، بل ذكرى ستبقى، ودرسًا في الكرم،
وشاهدًا على أن في الحياة أناسًا…
يصنعون من اللحظات العادية… لحظات لا تُنسى.