|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
لقد اعتدت منذ نعومة أظافري أن يمر العيد ونحن على موعد مع طقوس لم يكن يغفل عنها والدي رحمه الله، طقوس تتجاوز مظاهر الاحتفال المعتادة، لتغدو عيدًا بمعنى المسؤولية، والوفاء، وصلة الرحم. ولعل أعظم ما يميز تلك السنوات أن والدي لم يكن يترك أي عيد يمر دون أن يصلي العيد، وكان حضوره روحًا معنوية تجمعنا حوله بعد صلاة العيد، بينما كنا نحن الأطفال ننتظر رؤية وجهه الذي يشع بالرضا والطمأنينة.
لكن ما كان يميز والدي أكثر من ذلك هو أنه لم يكن يكتفي بالاحتفال في نطاق العائلة المباشرة. بعد صلاة العيد، ودون أن يطلب أحد منه، كان يبدأ برنامجه الخاص بصلة الرحم، زيارة الأقارب، والتواصل مع كل من له علاقة بأمنا رحمها الله، مسجّلًا كل العيديات بعناية، كما يظهر في دفتره الذي كان يحتفظ به سنويًا. لقد كان يوثق الأسماء والمبالغ، يضيف الملاحظات، يعتني بالتفاصيل، وكأن كل رقم وكل اسم يمثل رباطًا أخلاقيًا واجتماعيًا، علامة على الوفاء والالتزام بالقيم التي آمن بها.
ومع تقدمي في العمر، أصبح والدي يصطحبني معه في هذه الجولات. أتذكر صعوبة المشي والإرهاق الذي يعتري قدمي الصغيرتين، ومع ذلك كنت أجد نفسي أتعلم دروسًا لا تُنسى: دروسًا في الإخلاص، والكرم، والوفاء، ومهارة التعامل مع الناس بكل رقة ولطف. كان يسرد لي أحيانًا بعض القصص عن آبائنا، عن جده وعن أجداده، ليعلمني أن كل عمل خير صغير يبني تاريخًا ويترك أثرًا في المجتمعات، وأن المسؤولية المجتمعية ليست مصطلحًا حديثًا، بل جزءًا من قيمنا المتجذرة.
حتى بعد أن سافرت مغتربًا، لم يتغير حرص والدي على إيصال هذه الرسالة. كان يشرك شقيقي أحمد، بارك الله فيه، في متابعة التواصل مع الأقارب وتوزيع العيديات، ليظل رابطنا الأسري حيًا ومستمرًا. أما في أواخر حياته، عندما ألم به المرض، لم يترك أي مسؤولية للصدفة، بل كلف أخواتي بالمهمة، مؤكدًا أن الكرم والوفاء لا يعرفان حدودًا، وأن كل جهد صغير في سبيل الآخرين هو عمل يستحق العناية والتقدير.
ما يميز دفتر العيديات الذي احتفظ به والدي هو أنه ليس مجرد سجل مالي، بل لوحة اجتماعية وثقافية. من خلاله نلمس عمق علاقاته، دقته، حبه للتوثيق، ووعيه الرمزي بما يعنيه العيد في بناء الروابط الاجتماعية. فالجيل الذي نشأ فيه كان نادرًا في هذه الصفات، قادرًا على الجمع بين الحزم والحنان، بين المسؤولية والرحمة، بين التقاليد والمرونة في التعامل مع مستجدات الحياة.
وإلى جانب ما تحمله هذه المذكرات من قيمة شخصية وعائلية، نجد فيها رسالة لكل من يقرأها اليوم: أن الاحتفال بالعيد لا يقتصر على الملابس الجديدة والطعام الحلو، بل يشمل الحب، والوفاء، وتوثيق الروابط، وتقدير الآخرين. لقد سطر والدنا تاريخًا يوميًا صغيرًا في كل عيد، لكنه كبير في أثره النفسي والاجتماعي.
وفي هذه المسيرة، تعلمنا درسًا مهمًا من عظماء الفكر والإسلام: كما قال الإمام الغزالي رحمه الله، “الإنسان خليفة الله في الأرض، وما من شيء أكرم على الله من صلة الرحم والإحسان إلى الناس”. وها نحن نجد هذا المبدأ متجسدًا في أفعال والدنا اليومية، في حبه للخير، في رعايته للعلاقات، وفي حرصه على أن يكون كل عيد فرصة لتجديد العهود والروابط.
لقد أرهقتني المشي معه أيام الطفولة، لكنها كانت رحلة تعليمية لا تُنسى، رحلة مليئة بالحب، والحرص، والإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين. ومع مرور السنوات، أدركت أن كل خطوة خطاها كانت درسًا في القيادة الأخلاقية، في الإدارة الرشيدة للعلاقات، وفي فهم أن الحياة الحقيقية هي في العطاء، لا في الأخذ فقط.
وإذا تأملنا دفتر العيديات، سنجد أنه يعكس فهمًا فريدًا لما يُسمى اليوم بـ “المسؤولية الاجتماعية”. والدي، دون أن يستخدم هذا المصطلح، كان يعيش المعنى: كان يعرف أن العيد هو لحظة للتواصل، للوفاء، ولترك أثر دائم، وأن الكرم ليس في المال فقط، بل في التقدير، والنية الصافية، والحضور الحقيقي.
حتى هذه اللحظة، وأنا أكتب هذه السطور، أشعر بأنني أستعيد جزءًا من روحه، جزءًا من دروسه، وأدرك أن التأخير في الكتابة إلى أن تهدأ صفحات التواصل من تهاني العيد كان حكمة: الانتظار حتى يحين الوقت المناسب لتقدير التفاصيل، وإعطاء كل ذكرى قيمتها، ليس مجرد استجابة للتهاني، بل تقدير للروح التي صنعتها.
وفي الختام، نجد أن هذه الذكريات، وهذه العادات التي غرسها والدنا، تحمل رسالة خالدة: أن العيد ليس مناسبة للفرح الفردي فقط، بل فرصة لنشر الخير، وتجديد الروابط، وتوثيق المسؤولية، والعيش بالقيم الأخلاقية التي تصنع المجتمعات، وتترك أثرًا لا يزول في قلوب الناس. ولعل أجمل ما في هذه القيم أنها تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتصل لكل من يرغب في الاحتفال بالعيد بمعناه الحقيقي: الكرم، الوفاء، الحب، والتواصل العميق مع الآخرين، كما علمنا آباؤنا الأجلاء، رحمهم الله جميعًا.