|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
ليست الحكاية حكاية امرأةٍ رحلت… بل حكاية أثرٍ بقي حين رحل الجسد.
كانت “ميس ليلي” تمشي بين الأطفال كمن يزرع نورًا لا يُرى، لكنه يُثمر بعد سنين، في أروقة مكتبة المعدية، حيث لم تكن الجدران تحفظ الكتب فقط، بل تحفظ أرواحًا تشكّلت على يديها. لم تكن تقرأ القصص فحسب، بل كانت تفتح في الأرواح نوافذ على الجمال، وتغرس في القلوب يقينًا بأن الإنسان يمكن أن يكون رسالة… لا مجرد عابر.
رحم الله من جعلوا الحياة أخفّ على القلوب، وأجمل في العيون…ورحم الله “ميس ليلي”، التي لم تكن مجرد اسم… بل كانت معنى.
كانت إذا مرّت، مرّ معها شيءٌ من الطمأنينة، كأن المكان يتوضأ من تعب الأيام. كانت تُرتّب الحكايات في أيدي الصغار، فتُرتّب بها فوضى الحياة في داخلهم، وتعلّمهم أن الكلمة إذا خرجت من قلبٍ صادق، صارت نورًا لا ينطفئ. لم تكن تصنع لحظةً عابرة، بل كانت تصنع عمرًا آخر يمتدّ في ذاكرة من عرفوها… حتى إذا كبروا، حملوا أثرها كما يُحمل الدعاء: خفيًّا… لكنه لا يغيب.
الأطفال الذين جلست معهم يومًا، صاروا اليوم أمهات، لكن الطفولة التي صنعتها فيهم لم تكبر… بقيت حيّة، تنبض في ذاكرتهم، وتنتقل إلى أبنائهم كأنها ميراثٌ من نور، لا يُكتب في الأوراق… بل يُحفظ في القلوب.
هذا هو الخلود الحقيقي…أن تغيب، ويبقى منك ما يدلّ عليك. أن يُذكرك الناس لا لأنك كنت حاضرًا، بل لأنك ما زلت مؤثرًا.
رحم الله روحًا كانت إن ابتسمت أزهرت الذاكرة، وإن رحلت بقيت عطاياها تطرق أبواب القلوب كدعاءٍ لا يشيخ. اللهم اجعل لها من كل حرفٍ علّمته نورًا، ومن كل قلبٍ لامسته أجرًا، واغمر والديها وذويها برحمتك، كما غمرت هي حياة الآخرين برقة أثرها وجمال عطائها.
فسلامٌ عليها يوم وُلد أثرها في القلوب، وسلامٌ عليها يوم رحلت وبقيت، وسلامٌ عليها ما دام في الحياة من يعرف أن بعض البشر… لا يُنسَون، لأنهم ببساطة، صاروا معنى.
كتبه: نبض قلب