|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
في مساءٍ يتقدّم فيه الزمن على استحياء، وكأن الدقائق تعلم أنها مقبلة على حدثٍ لا يُقاس بالوقت، بل بالمقام، جاءتني رسالة دعوة من سيد بركات “أبو بركات”، تحمل في طيّاتها ما هو أبعد من دعوة طعام، بل إعلان عن لقاءٍ تُعاد فيه صياغة المودة على مائدة لا تُشبه سواها. كان ذلك يوم الأحد، التاسع عشر من أبريل 2026، حين وصلت الرسالة بلطفٍ مهيب: “الغد بعد الثالثة عصرًا… على شرف العزيز د. محمود، عقب زيارته الدوحة – قطر…”
ثم جاء ما هو أعمق من النص نفسه، إذ لم يكن الأمر مجرد دعوة، بل موقف قلبٍ يعرف صاحبه أن الكرم لا يُؤجَّل، وأن المودة لا تُؤطَّر بساعة. فكان الرد بعد يقينٍ ومحبة، أن يُستأذن في أن يكون اللقاء عند الإفطار، مع المغرب، إذ الأيام من ذي القعدة في حُرمها تُحب فيها السكينة، ويُستحب فيها أن تخفّ الدنيا على القلب. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الدعوة موعدًا… بل أصبحت حالةً تمشي في القلب قبل أن تمشي الأقدام.
حين يكون الاستقبال ابتسامة لا تُنسى
وصلنا متأخرين، لا عن ساعةٍ فقط، بل عن لحظةٍ كانت قد سبقتنا في التكوّن، وكأن “أبو بركات” قد هيّأ للزمن طريقه قبل وصولنا. وحين فُتح الباب، لم تكن الكلمات هي الاستقبال، بل كانت ابتسامةً تشبه قول الحكماء: “إذا صفا القلب، تقدّم على اللسان.” ابتسامة واحدة كانت كافية لتقول: هنا لا تُحسب الدقائق، هنا يُستعاد الإنسان.
المائدة الأولى… مائدة الكرم الأول
في المدخل، وُضعت مائدة كأنها مقدمة قصيدة لا تحتاج شرحًا: كأس التمر، والموز، والمشمش المجفف بالحليب، وكأن الطبيعة قررت أن تختصر عطاياها في أول التحية. إلى جوارها الشاي الكرك، في امتزاجٍ لا يُقدَّم للذوق فقط، بل للذاكرة. كان المشهد يذكّر بقولٍ منسوب للحكماء: “الكرم ليس فيما تُعطي، بل فيما يُشعرك أنك كنت مستقبَلاً منذ زمن.” وهناك… كان الجوع يتراجع أمام شيءٍ أرقى منه: الطمأنينة.
المائدة الثانية… هندسة أم بركات
ثم انتقلنا إلى المائدة التي لا تُوصف إلا إذا نُظر إليها كلوحةٍ رسمها قلبٌ لا يد، أو كمدينةٍ بُنيت على حبٍّ لا على حجارة. في المنتصف، صينية محشي الكرنب، كأنها قلب المائدة النابض. يعلوها البط والدجاج المحمّر، كحراسةٍ من الكرم تُحيط بالوفرة. وإلى جانبها قطع اللحم المحمّر، وطبق الكفتة التي تعجز اللغة عن تعريفها، لأنها ببساطة “تُؤكل كما تُحسّ”. وصينية بطاطس بالطماطم، كأنها بساطة تعرف طريقها إلى القلب دون استئذان. وأطباق الأرز الأبيض، كصفحات بيضاء تنتظر أن تُكتب عليها الذكريات. وسلطة خضراء كحديقة صغيرة داخل بيتٍ كبير، وشوربة لسان العصفور كحروفٍ تسبح في دفء المعنى.
ثم الملوخية الجافة المصرية الأصل، كأنها ذاكرة بيتٍ لا يشيخ. وأطباق الجبنة القديمة “المش”، كأنها زمن محفوظ في الملح والحنين. والجرجير والخس، كأن الطبيعة وقّعت حضورها في آخر المشهد. وخبز الرقاق، -بل المائدة كلها -من صناعة “أم بركات”، بل من روحها، وكأن البيت كله يُختصر في يدٍ تُحب فتُتقن. وهنا لم تعد المائدة طعامًا… بل أصبحت بيانًا صامتًا عن معنى أن يتحول العطاء إلى هوية. وقد قيل: ” ليس الكريم من أطعمك، بل من جعلك تشعر أنك لست ضيفًا، بل جزء من المكان.”
حديث المائدة… حيث تُروى الأرواح
كان حديث المائدة امتدادًا للطعام، لا أقلّ شأنًا منه. جاء الحديث عن الجدين “عبد الستار وبركات -رحمهما الله رحمة واسعة-”، لا كأسماءٍ غابت، بل كأرواحٍ حضرت في الذاكرة. وكان “أحمد سيد بركات” حاضرًا لا كمتحدث فقط، بل كحلقة وصل بين الماضي والمستقبل، بين الذاكرة والطموح. تحدث عن جده “بركات” رحمه الله، مؤكّدًا بالدعاء، وكأن الدعاء هنا ليس كلمة، بل وفاء. ثم جاءت أمنية “أحمد” الصادقة: أن يكون جراح قلب، وفاءً لجده بركات الذي أصابه المرض نفسه، وكأن القدر ترك له رسالة غير مكتوبة: أن يُكمل ما لم يُكتمل، وأن يُرمم ما انكسر في الجسد بالعلم والإرادة.
ثم انساب الحديث بهدوء عن الأسنان وصفاتها، عن خلق الله ودقته، وكأن التأمل في الجسد بابٌ إلى الإيمان. وانتقل بسلاسة إلى البحار والحوت، وإلى المقارنة بين مخلوقات الله، حتى وصل إلى قصة سيدنا يونس عليه السلام، وكأن العلم والإيمان والخيال اجتمعوا على مائدة واحدة دون تناقض.
المائدة الثالثة… الفاكهة والمكسرات والسكينة
ثم جاءت المائدة الثالثة، وكأنها ختام موسيقي لا يريد أن ينتهي. فاكهة متنوّعة، وشاي كرك، وشاي أحمر، كأنها وداعٌ لا يُغلق الباب، بل يتركه مواربًا للذكرى، وعلبة من المكسرات والحلويات المتنوعة، وُضعت على طرف المائدة كأنها توقيع أخير في أسفل لوحةٍ اكتملت دون أن يُعلن اكتمالها. لم تكن مجرد ضيافةٍ إضافية، بل كانت رسالة صامتة تقول: إن الفرح لا يُؤجَّل إلى عيدٍ محدد، وإن الأعياد الحقيقية لا تُعلَّق على تقويم، بل تُولد كلما حضر الحب، واستقرت المودة، واطمأنّت القلوب إلى بعضها.
كانت تلك العلبة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في معناها، تشبه حكمةً قديمة تقول: ” ليس العيد يومًا في السنة، بل لحظة صفاء بين قلبين.” فكل قطعة مكسرات كانت تحمل شيئًا من الامتداد، وكل حلوى كانت تهمس بأن في الحياة متسعًا للفرح مهما ازدحمت الأيام. وكأن “أبو بركات” أراد أن يُكمل رسالة المائدة من غير كلمات، فترك للحلاوة أن تتكلم، وللمكسرات أن تُعلن أن الصلابة في القشرة لا تُلغي نعومة الداخل، تمامًا كما في النفوس التي تختبرها الأيام ثم تكشف عن صفائها حين تُفتح بلطف.
وهكذا اكتملت الصورة… مائدةٌ تبدأ بالتمر، وتمتد بالكرم، وتُحاط بالمذاق، وتُختم بالحلوى، وكأنها تقول دون صوت: إن من عرف معنى العطاء، أدرك أن الختام ليس نهاية، بل بداية امتداد. وقد قيل في المعاني اللطيفة:
“إذا سكن الحب في القلوب، صار كل شيء حوله قابلاً لأن يكون عيدًا.” وفي تلك اللحظة، لم تعد العلبة مجرد إضافة على المائدة، بل أصبحت شهادةً رقيقة على أن هذه الجلسة لم تكن دعوة طعام، بل دعوة حياة… حياة تتجدد كلما التقت القلوب على المودة، وكلما مرّ الفرح من يدٍ إلى يد، دون أن يسأل عن مناسبة، لأنه ببساطة أصبح هو المناسبة. هناك هدأ كل شيء… إلا الحديث، كان يمشي بيننا برفقٍ كأنه لا يريد المغادرة.
الدعاء… الذي لا ينتهي
وفي لحظة صفاءٍ نادرة، ارتفع الدعاء، لكنه لم يكن لحظة وانتهت، بل كان امتدادًا لحالةٍ ستبقى. ” اللهم احفظ أبا بركات، وبارك في “أم بركات”، واشفها وعافها، وألبسها ثوب الصحة والعافية. اللهم بارك في “حفصة وشيماء وروضة وأحمد”، واجعل في قلوبهم نورًا لا ينطفئ، وفي أعمارهم بركة لا تنقطع. اللهم اجعل هذا البيت عامرًا بالسكينة كما عمرت هذه المائدة بالمحبة. واجعل الكرم الذي شاهدناه ممتدًا في العمر والعمل والأثر. ولا تجعل هذا الدعاء لحظة عابرة، بل اجعله استمرارًا لا ينقطع مع كل صباح، ومع كل مساء، ومع كل نعمة تُذكر، ومع كل ابتسامة تُرى، ومع كل اجتماع يُعاش. اللهم كما جمعت القلوب حول هذه المائدة، فاجمعها على طاعتك، ورضاك، ورحمتك، وسترك، وفضلك الذي لا ينتهي.
خلاصة المشهد
لم تكن تلك مائدة طعام، بل كانت مائدة معنى. مائدة تُعيد تعريف الكرم، لا بوصفه كثرة، بل بوصفه حضورًا إنسانيًا نادرًا. ولو قيل للحكماء أن يحضروا هذا المشهد، لقال أحدهم: ” هنا لا يُقدَّم الطعام للضيف، بل يُقدَّم القلب قبل المائدة، ثم تجلس الأرواح لتأكل معًا.” وهكذا انتهت المائدة التي لم تُكتب مثلها، ولن تُنسى مثلها… لأنها لم تكن حدثًا… بل كانت أثرًا.
بقايا الضوء… ختام لا يغلق الباب
بقي في القلب شيءٌ لا يُقال… شيء يشبه رائحة الدعاء بعد انتهاء المائدة، وشيء يشبه أثر الكرم حين لا يعود ضيفًا، بل يصبح مقامًا في الذاكرة. بقي أن الكرم لا يُرى… بل يُحسّ، وأن البيوت التي تُطعم القلب قبل الطعام… لا يزورها الناس مرة، بل تسكنهم طويلًا.