|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
البيوت التي لا تستقبل ضيوفها… بل تحتضنهم بالمودة
في هذا الزمن المزدحم بالمواعيد الباردة، والرسائل المختصرة، والعلاقات التي تُدار أحيانًا كما تُدار جداول الأعمال، تبقى هناك قلوبٌ نادرة لا تزال تؤمن أن المحبة لا تحتاج بروتوكولًا، وأن الودّ الحقيقي لا يُتقن الحسابات. وكان مساء الخميس السابع من مايو 2026 واحدًا من تلك الأمسيات التي لا تُنسى، لا لأنها كانت عامرةً بالطعام فقط، بل لأنها كانت ممتلئةً بمعنى الإنسان حين يبقى إنسانًا.
بدأ الأمر برسالة رقيقة من الغالية أم بركات، خرجت ببساطة الأمهات الصادقات اللواتي لا يعرفن التعقيد: “أنا عملت غدا للأستاذ أبو طارق والدكتور محمود، رتّب أمورك عشان توديهم بعد الشغل إن شاء الله…” يا الله… أي دفءٍ يسكن هذه العبارات البسيطة؟ لم تقل: “نتشرف بدعوتكم الرسمية.” ولم تتكلف عبارات المجاملة الثقيلة. بل جاءت الرسالة كما تأتي المحبة الحقيقية دائمًا: عفوية، صادقة، ومليئة بذلك الإحساس الذي يشعرك أن مكانك محفوظ في القلب قبل البيت.
ثم جاءت رسالة الغالي أبي بركات، وكأنه يعتذر مسبقًا عن هذا الكرم الجميل: “الحاجة أم بركات بدون ترتيب أو مشورة أرسلت الرسالة دي… تقبل منا عفويتنا من العشم في الأحبة.” وهنا فقط شعرت أنني لا أقرأ رسالة دعوة، بل أقرأ قطعةً نادرة من زمنٍ قديم كانت فيه العلاقات تُبنى على التلقائية لا الحسابات، وعلى “العشم” الجميل لا التكلف. قال حكيم: “أصدق الدعوات تلك التي لا تُكتب بالحبر… بل تُقال بعفوية القلب.” ولعل هذا ما جعل الرسالة تدخل الروح مباشرة دون استئذان.
العفوية التي تهزم كل الرسميات
وقفت طويلًا أمام كلمات أم بركات. لم يكن تأثيرها في تفاصيلها، بل فيما تحمله بين سطورها من شعور بالألفة الخالصة. فبعض الناس إذا دعاك، أشعرك أنك ضيف. أما النفوس الأصيلة، فتجعلك تشعر أنك فرد من البيت. وهذا الفرق لا يُشترى. كتبت يومها لأبي بركات من قلبي قبل قلمي: “عفويتكم… يا الله… لا تعلمون كم كانت قيمة هذه الرسالة في النفس…” وكنت صادقًا. لأن الإنسان كلما تقدم به العمر، صار أقل احتياجًا للمظاهر، وأكثر تعطشًا للعلاقات النقية التي لا تُرهقه بالرسميات. العجيب أن الرسائل الصغيرة أحيانًا تعيد للإنسان إيمانه بالحياة. رسالة قصيرة من أمّ كريمة، خرجت بلا ترتيب، كانت كفيلة أن تُشعر القلب أن الدنيا ما زالت بخير. قال الرافعي: “القلوب الطيبة لا تحتاج إلى بلاغةٍ كبيرة، لأنها تصل قبل كلماتها.” وهذا بالضبط ما حدث.
الطريق إلى مجمع الفرات… وكأننا ذاهبون إلى بيت نعرفه منذ العمر كله، انطلقنا قبيل المغرب متجهين إلى مجمع الفرات في الدوحة. وكان الأذان يقترب بهدوء، بينما في القلب شعورٌ غريب بأننا لا نذهب إلى دعوة عشاء، بل إلى بيتٍ ينتظرنا بالمودة. وجدنا الغالي أبا بركات واقفًا بوجهه المشرق ينتظرنا، وكأن الاستقبال عنده ليس واجبًا اجتماعيًا، بل فرحة حقيقية. وكان أول ما استقبلنا: أكواب الخشاف بالحليب، التمر، المشمش، والموز. وتمر المجدول، والماء البارد… يا الله… حتى تفاصيل الإفطار كانت تحمل ذوقًا هادئًا لا صخب فيه. لا استعراض، ولا مبالغة متعمدة، بل ترتيبٌ يشبه البيوت التي تربّت على الكرم دون أن تتعلم الضجيج. ثم جاءت صلاة المغرب، وكأنها وضعت على الأمسية نورًا إضافيًا. وبعد الصلاة… بدأت الحكاية الأخرى.
مائدة لا تُشبه الموائد… بل تُشبه القلوب التي صنعتها
دخلنا إلى مائدة أم بركات. فلقد شعرت للحظة أن الكلمات قد تخون الوصف. كان المشهد أكبر من مجرد طعام. طاجن البطاطس الذي يعلوه الدجاج وكأنه لوحة دفء بيتية خرجت من ذاكرة الأمهات الجميلة. وأطباق الأرز الأبيض المرتبة بدقة هندسية وكأنها تحترم العين قبل المعدة. والسمك المقلي، والسمك بالصلصة، وذلك السحر الخفي في التتبيلة التي لا يصنعها إلا من يطبخ بمحبة لا بعجلة. ثم أطباق الملوخية بالروبيان…
يا الله… وكأن النكهة تحمل تاريخًا كاملًا من البيوت المصرية الأصيلة. والروبيان، والجرجير، والخس، والفول الأخضر، والسلطات المتنوعة، وبابا غنوج بالطريقة التي تبرهن على المهنية والأصالة، والجبنة القديمة المصرية العتيقة التي لا يعرف قيمتها إلا من يعرف معنى “الطعم الذي يشبه الزمن الجميل”. ثم خبز الرقاق الأصلي… هنا فقط فهمت أن بعض البيوت لا تُقدّم الطعام، بل تُقدّم ذاكرتها كاملة لضيوفها. قال حكيم: “حين تطبخ الأم بقلبها، يصبح الطعام نوعًا من الطمأنينة.” ولعل هذا ما جعل المائدة تبدو وكأنها ثلاث موائد في مائدة واحدة. تنوعٌ، وترتيب، وسخاء، لكن دون أن تفقد روح البساطة أبدًا.
الكرم الذي لا يُشعرك بثقله
أجمل ما في تلك الأمسية أن الكرم لم يكن متكلفًا. بعض الموائد تُشعرك بثقلها عليك، وكأنها تريد أن تقول لك: “انظر كم فعلنا.” أما هنا، فكل شيء كان يقول: “أنتم بين أهلكم.” وهذا أندر أنواع الكرم. ثم جاء دور الشاي: شاي الكرك، والشاي بالنعناع، والقهوة التركية… وكأن الأمسية ترفض أن تنتهي. ثم الفاكهة: المانجو، والجوافة، والموز، والبرتقال، والتفاح… ثم أطباق المكسرات، والشوكولاتة، والحلويات التي بدت كأنها “طبق عيد” لا جلسة عابرة. هنا أدركت أن بعض الناس لا يستقبلون ضيوفهم فقط، بل يسكبون أرواحهم كاملة في تفاصيل اللقاء.
البيوت التي يحرسها الودّ
أكثر ما بقي في نفسي بعد تلك الليلة، ليس كثرة الطعام، ولا تنوعه، بل ذلك الإحساس العجيب بالألفة. كان البيت هادئًا بطريقة تشبه البيوت التي تُقرأ فيها الدعوات أكثر مما تُرفع فيها الأصوات. وكان واضحًا أن خلف هذا الدفء أسرةً كاملة تربّت على المحبة: بركات، وحفصة، والشيماء، وأحمد، وروضة… أسماء تشعر وأنت تسمعها أن البيت لا يعيش على الجدران، بل على القلوب. قال محمد إقبال: “الأمم لا تبنى بالحجارة فقط، بل بالبيوت التي تُخرّج أرواحًا تعرف معنى الرحمة.” ولعل مثل هذه البيوت هي التي تُبقي الدنيا صالحة للسكن.
ولم تتوقف المائدة عند حدود تلك الجلسة العامرة، وكأن أم بركات كانت ترى أن الكرم الحقيقي لا ينتهي بانتهاء اللقاء، بل يرافق ضيوفه حتى بعد المغادرة. فبينما كنا نستعد للعودة، إذا بحقيبةٍ كاملة تُحمَل إلينا بكل ذلك الودّ الهادئ الذي لا يعرف التصنع. حقيبة لم تكن مجرد طعامٍ إضافي، بل امتدادًا طبيعيًا لروح البيت نفسه. فطيرٌ مشلتت مصريّ الأصل، تفوح منه رائحة البيوت القديمة التي كانت تُخبز فيها المحبة قبل العجين، ورفاقٌ طازج ما زال دفء الطزاجة يسكنهم، وعلبة جبنةٍ قديمة تحمل ذلك الطعم العتيق الذي يشبه ذاكرة الريف الجميل، وجبنة قريش بنقائها البسيط، ثم علبة تمرٍ من النوع الراقي وكأنها خاتمة كريمة لمائدة لم تعرف الاختصار أصلًا.
وقفتُ أتأمل المشهد، وأشعر أن ما نحمله ليس حقيبة مأكولات، بل “مائدة تمشي معنا” خارج البيت، صنعتها يدٌ تعرف كيف تجعل الكرم أسلوب حياة لا مناسبة عابرة. قال حكيم: “بعض البيوت إذا غادرتها، اكتشفت أن أصحابها أرسلوا معك جزءًا من قلوبهم دون أن تشعر.” ولعل هذا ما فعلته أم بركات تمامًا، فقد جعلتنا نغادر، بينما بقي دفء البيت معنا في الطريق كله.
دعاء يليق بأهل المودة
اللهم يا واسع الكرم، ويا من جعلت بعض البيوت مفاتيح للطمأنينة، بارك للغالي أبي بركات في عمره وصحته وأهله ورزقه، وأدم عليه هذا الوجه المشرق بالمودة، واجعل كل خطوة خطاها في إكرام أحبابه نورًا في صحيفته. اللهم بارك للغالية أم بركات، تلك النفس النقية التي صنعت من العفوية جمالًا، ومن المائدة رسالة حب، ومن التفاصيل الصغيرة وطنًا من الدفء، واجعل بيتها عامرًا بالسعادة والسكينة والرضا. اللهم احفظ أبناءهم: بركات، وحفصة، والشيماء، وأحمد، وروضة… واجعلهم قرة عين لوالديهم، وافتح لهم أبواب الخير والتوفيق والقبول، وألبسهم لباس العافية والستر والمحبة بين خلقك. اللهم اجعل هذا البيت بيت بركةٍ ورحمة، لا يدخله همّ، ولا يقربه حزن، ولا يفارقه الأنس، وأدم عليهم نعمة الاجتماع على المحبة، والرزق الحلال، والقلوب التي تعرف كيف تُكرم الناس دون تكلف. وأسأل الله أن يبقى في الدنيا دائمًا أمثال هؤلاء… فبهم تصبح العلاقات أجمل، والبيوت أدفأ، والحياة أكثر احتمالًا.