
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
لم يكن مقطعًا عاديًا وصلني من أخي أحمد، بل كان قطعةً حيّة من عمرٍ مضى.
يومها كنت أنا على الطرف الآخر من المكالمة مع والدي رحمه الله، أتحدث إليه بعفوية الأيام التي نظنها عادية، بينما كان أخي أحمد -دون أن نشعر – يحفظ تلك اللحظة بصوتها وصورتها، وكأنه كان يخبئ لنا جزءًا من الأب للأيام الثقيلة القادمة. وبعد 10 سنوات، عاد التسجيل إليّ. واحدٌ وثلاثون ثانية فقط… لكنها لم تكن ثواني، بل عمرٌ كامل فتح أبوابه دفعةً واحدة. ليست كل المقاطع المصورة تُشاهَد بالعين. بعضها يُشاهَد بالقلب… ثم ينتهي الأمر بالدموع.
كان اتصالًا عاديًا من شقيقي أحمد، أو هكذا ظننته في البداية. صوتٌ مألوف، وحديثٌ عابر، وتفاصيل يومية تشبه آلاف المكالمات التي تمر في حياة الناس دون أن تترك أثرًا كبيرًا. لكن القدر – حين يريد أن يفتح في الروح بابًا قديمًا – لا يحتاج أكثر من لحظة واحدة. وفجأة… فاجأني أحمد بإرسال مقطع فيديو قصير. لم أكن أعلم أنه احتفظ بتلك المكالمة القديمة بيني وبين الوالد رحمه الله، وكأنه كان يخبئ لنا قطعةً من العمر للأيام التي سيشتد فيها الحنين.
ثم بدأ الصوت. صوت والدي… رحمه الله. فجأةً، لم يعد المكان كما هو. ارتبكت الروح قبل الذاكرة، وكأن الزمن تعثّر للحظة، وعاد القطار الذي ظننته غادر منذ سنوات. ذلك الصوت الذي كان يملأ البيت يومًا، ويعبر الممرات، ويوقظ الطمأنينة في القلوب، عاد الآن من هاتفٍ صغير، لكنه لم يدخل الأذن فقط… بل دخل إلى أعماق شيءٍ لا أعرف كيف أصفه. قالها ببساطته التي تشبه الآباء الحقيقيين: “والله العظيم وَحْشِني يا ولادي… وَحْشِني والله…”
يا الله… كم توجد في كلمة “وَحْشِني” من أشياء لا تستطيع اللغة تفسيرها؟ ليست مجرد كلمة شوق. إنها وطنٌ كامل يفتح أبوابه فجأة. إنها يدٌ تربّت على القلب بعد سنوات من اليتم الخفي. إنها ذلك الشعور الذي يجعل الرجل – مهما اشتدّ وصلب – يعود طفلًا في لحظة واحدة. ثم أكمل دعاءه بصوت الأب الذي لا يملك لأبنائه إلا الحب والخوف والدعاء: “ربنا يسترها معاكوا… ويكفيكم شر خلقه المؤذيين… ويحبب فيكوا خلقه… ويزدكم من نعايم الله يا رب.” هنا لم أعد أسمع فقط… بل كنت أنكسر بهدوء. ليس لأن الكلمات معقدة، بل لأنها صادقة. والكلمات الصادقة لا تحتاج بلاغةً كبيرة، فهي تدخل القلب مباشرة دون استئذان. الآباء لا يرحلون كاملين… يتركون أصواتهم فينا.
العجيب أن الإنسان يظن أنه تجاوز الحزن مع مرور الزمن. يمضي في حياته، يعمل، يبتسم، يشارك الناس أيامهم، حتى يخيّل إليه أنه صار أكثر تماسُكًا. لكن صوتًا واحدًا فقط، خارجًا من ذاكرة قديمة، قادر أن يهدم كل هذه الجدران في لحظة. أدركت يومها أن الآباء لا يرحلون كما نظن. هم يختفون عن المائدة… لكنهم يبقون في الدعاء. يغيبون عن البيت… لكنهم يبقون في نبرة الصوت. يمضون إلى قبورهم… لكنهم يتركون أرواحهم معلقةً في تفاصيلنا الصغيرة.
قال الرافعي: “إنما يُعرف فضل الآباء بعد غيابهم، حين يبحث القلب عن ظله فلا يجده.” وصدق، فالأب لا يُعرف فقط بما أعطى، بل بما كان يزرعه من أمانٍ صامت لا نشعر بحجمه إلا حين ينطفئ حضوره. كنت أستمع إلى المقطع، وأشعر أن أبي – رحمه الله – لم يكن يدري أنه يترك لنا إرثًا أعظم من المال. كان يترك “صوته”. وما أثقل صوت الأب بعد الرحيل. إنه ليس مجرد ذبذبات محفوظة، بل حياة كاملة مختبئة بين الكلمات. ذلك الدعاء المرتبك قليلًا، الخارج بعفوية، كان أصدق من آلاف الخطب المرتبة. لأن الأب الحقيقي لا يتقن صناعة العبارات بقدر ما يتقن صناعة الحب.
“ويحبب فيكوا خلقه” … دعاء من فهم الحياة. توقفت طويلًا عند هذه الجملة. لم يقل: “رزقكم الله مالًا كثيرًا.” لم يقل: “جعلكم أصحاب مناصب.” بل قال: “ويحبب فيكوا خلقه.” وكأن العمر كله علّمه أن أثمن ما يناله الإنسان بعد رضا الله… القبول. فالذي يحبب الله فيه خلقه، يعيش غنيًا ولو قلّ ماله. ويعيش مطمئنًا ولو ازدحمت الدنيا بالمتاعب. كان أبي – رحمه الله – يدرك بفطرة الآباء أن الحياة ليست سهلة، وأن أكثر ما يُتعب الإنسان ليس الفقر دائمًا، بل الأذى البشري. لذلك قال: “ويكفيكم شر خلقه المؤذيين.”
يا الله… كم تختصر هذه الجملة تاريخًا كاملًا من الخبرة بالحياة. إنها ليست جملة عابرة، بل خلاصة رجل عرف الدنيا، وخَبِر الناس، وأدرك أن النجاة الحقيقية ليست فقط في كثرة النعم، بل في السلامة من الأذى. قال أحمد الزيات: “الإنسان لا تقتله الأيام غالبًا، بل تقتله القلوب القاسية.” ولهذا كان دعاء الأب حمايةً روحية قبل أن يكون أمنية. كأن الآباء، كلما تقدم بهم العمر، صاروا أكثر فهمًا لبواطن الحياة، وأكثر اختصارًا للحكمة.
التسجيلات الصغيرة التي تصبح عمرًا كاملًا
من كان يظن أن واحدًا وثلاثين ثانية فقط يمكن أن تحمل هذا القدر من الحياة؟ ثوانٍ قليلة… لكنها هزّت داخلي سنوات كاملة. أدركت حينها أن بعض الأشياء لا تُقاس بالوقت. فقد يعيش الإنسان ساعاتٍ طويلة لا يتذكر منها شيئًا، ثم تمر عليه لحظة واحدة تبقى معه إلى آخر العمر. ذلك المقطع لم يكن تسجيلًا صوتيًا فقط، بل كان بابًا فتحته الذاكرة دفعةً واحدة: رائحة البيت القديمة… صوت الأذان الذي كان يوقظه… الدعوات بعد الفجر… الخوف علينا دون أن يقوله… وطريقته في السؤال التي كانت تحمل حنانًا أكثر مما تحمل كلمات. كل هذا عاد في ثوانٍ معدودة.
قال المنفلوطي: “بعض الذكريات لا تمر على القلب… بل تعبره كالسيف.” ولعل أشد ما يوجع في أصوات الراحلين أنها تأتيك حيّة تمامًا، بينما تعلم يقينًا أن أصحابها تحت التراب. هنا فقط يفهم الإنسان معنى الفقد الحقيقي. ليس الفقد أن يغيب الشخص عن العين فقط، بل أن يبقى حاضرًا بكل هذا الوضوح… دون أن تستطيع الوصول إليه. أخي أحمد… دون أن يدري أعاد إلينا أبًا كاملًا. ما فعله أخي أحمد في تلك اللحظة لم يكن مجرد إرسال مقطع. لقد أعاد إلينا أبًا كاملًا. أعاد ضحكته الخفيفة بين الكلمات. وأعاد خوفه علينا. وأعاد دفءَ الدعاء الذي لا يشبهه شيء.
بعض الناس يمنحك هديةً مادية، وبعضهم يمنحك لحظة لا تُقدّر بثمن. وذلك المقطع كان من النوع الذي لا يمكن تعويضه. كم من الناس فقدوا آباءهم، ثم بحثوا بعد رحيلهم عن تسجيلٍ واحد، عن كلمة، عن نبرة صوت، عن “السلام عليكم” فقط… فلم يجدوا شيئًا. أما نحن، فقد عاد إلينا الأب في واحدٍ وثلاثين ثانية. وهذا فضلٌ عظيم. قال محمد إقبال: “الأرواح العظيمة لا تموت، إنها تغيّر فقط طريقة حضورها.” ولعل الآباء بعد الرحيل يتحولون إلى أشياء صغيرة لكنها تهزم القلب: دعاء محفوظ، صورة قديمة، مصحف عليه أثر أصابعهم، أو تسجيل قصير يعيد ترتيب الروح كلها.
الرجال الذين يبكون بصمت
ثمة لحظات لا يبكي فيها الإنسان أمام الناس، لكنه يشعر أن قلبه كله يبتل من الداخل. ذلك المقطع فعل بي هذا. لم يكن بكاء انهيار، بل بكاء امتنان. امتنان لأن الله أكرمني بأبٍ كانت وصيته الأخيرة تقريبًا دعاءً لنا. وكم هو جميل أن يكون إرث الأب دعاء. فبعض الآباء يتركون وراءهم أموالًا يتنازع عليها الأبناء، وبعضهم يترك محبةً تجعل الأبناء يدعون له ما بقوا أحياء. وهنا يظهر الفرق بين من عاش للدنيا فقط، ومن عاش ليزرع نفسه في قلوب أهله. كان أبي – رحمه الله – بسيط الكلمات، لكنه عظيم الأثر. وذلك شأن القلوب النقية، لا تحتاج ضجيجًا لتترك بصمتها.
ليس الموت نهاية الآباء
بعد أن انتهى المقطع، بقي الصمت طويلًا. أغلقت الهاتف، لكن صوت أبي لم يغادر المكان. ظل يتردد داخلي: “وَحْشِني يا ولادي…” وأدركت أن بعض الأصوات لا تنتهي بانتهاء التسجيل، بل تبدأ بعده. لهذا أؤمن أن الموت ليس النهاية الكاملة للآباء. الآباء الحقيقيون يظلون يعيشون في: دعواتهم، وأخلاق أبنائهم، وطريقتهم في الكلام، وحتى في خوفنا على من نحب. هم يغيبون بالجسد… لكن أثرهم يبقى يتكاثر بصمت. ولعل أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان تجاه والديه بعد رحيلهما، ألا يكتفي بالحزن، بل يحوّل الوفاء إلى حياة: دعاء، وصلة رحم، وأخلاقًا تشبههم، وذكرياتٍ تحفظ ملامحهم من النسيان. ذلك المقطع القصير لم يكن مجرد ذكرى. كان رسالةً هادئة تقول لنا: إن الحب الحقيقي لا يدفن مع أصحابه. وأن دعاء الأب قد يبقى يحرس أبناءه حتى بعد رحيله بسنوات. وأن بعض الأصوات… خُلقت لتعيش أطول من العمر نفسه.