مجلسٌ إذا دخلته… تأخرتَ عن الخروج من نفسك

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

مساء  الجمعة 16 مايو 2026 – حين اجتمع القرآن والكرم والإنسان

في هذا العالم المزدحم بالأبواب، هناك أبواب لا تُفتح بالمفاتيح…بل تُفتح بالمحبة. وهناك دعوات لا تشبه الرسائل العابرة، بل تشبه نداءً خفيًا يقول للروح: “تعال… هنا ستتذكر أنك ما زلت إنسانًا.” في مساءٍ هادئ من مساءات الدوحة، جاءني اتصال العزيز ناصر الخال “أبو عبد الله”، بصوته الذي يحمل طيبةً لا يمكن تمثيلها، وقال بعتب الأحبة الذي لا يُثقل القلب بل يرفعه: “د. تهامي… أنت لم تحضر مجلس الخميس، باعتذارك بدعوة صديق على الإفطار… إذًا عندنا الجمعة، في مجلس الفاضل أبو تركي محمد فخرو.” لم تكن دعوة… بل كان استردادًا لطيفًا لحق الصحبة. ثم قال: “تصلي معنا العشاء في المسجد المجاور.” وكان في الجملة من الطمأنينة ما جعلني أشعر أن الليلة لن تكون مجرد لقاء، بل ستكون حكاية.

بين “الزمر” و”العصر”… حين يمهّد القرآن للمجالس الطيبة

وصلنا مع صلاة العشاء. وكان المسجد هادئًا كأن السكينة نزلت فيه قبل الناس. وقف الإمام، وبدأ التلاوة من سورة الزمر في الركعة الأولى… وكان للصوت شيء يشبه الماء حين يمرّ على قلبٍ متعب. ثم جاءت سورة العصر في الركعة الثانية… ﴿ وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ وفي تلك اللحظة، شعرت أن الليلة كلها اختُصرت في هذه الآيات. فالمجالس الطيبة ليست طعامًا فقط… بل هي نوع من “التواصي بالحق”، ونوع من “التواصي بالصبر”، ونوع من مقاومة الخسارة الكبرى التي تصيب الإنسان حين يعيش بلا صحبة صادقة. وقد قال حكيم:
“المجلس الذي يُفتتح بالصلاة… لا ينتهي إلا وقد أصلح شيئًا في القلب.”

أبو تركي… الرجل الذي يستقبلك بوجهه قبل يديه

توجهنا إلى المجلس المبارك… وكان في الاستقبال “أبو تركي” محمد فخرو. لكن الحقيقة أن الرجل لم يكن “يستقبلنا” …
بل كان يستقبلنا وجهه. سبحان الله… هناك بشر إذا رأيتهم شعرت أن ملامحهم نفسها تقول: “أهلًا بكم… لقد تأخرتم فقط.” وكان في ابتسامته شيء من البيوت القديمة، شيء من دفء الآباء، وشيء من الطمأنينة التي لا تُصنع. حتى إنك تكاد تسمع لسان حاله يقول: “نحن لا نرحب بكم… أنتم أصحاب المجلس.” وهنا فقط فهمت معنى قول أحد الحكماء: “بعض الرجال لا يفتحون أبواب مجالسهم… بل يفتحون صدورهم.”

القهوة التي لا تُشرب… بل تُعاش

بدأ المجلس بالقهوة العربية. لكنها لم تكن فنجانًا عابرًا، بل كانت إعلانًا أن هذه الليلة كُتبت على سطرٍ من الكرم الأصيل. ثم الشاي الكرك… ذلك المشروب الذي لا يُقدَّم في الخليج بوصفه شرابًا فقط، بل بوصفه امتدادًا للصحبة. وكانت الأحاديث الأولى خفيفة، كأن المجلس يعرف أن الأرواح تحتاج وقتًا لتخلع تعب الأيام قبل أن تدخل عمق السكينة.

مأدبة من يد البيت… حين يطبخ الحب قبل الطعام

ثم جاءت المأدبة… ولم تكن مجرد عشاء. كانت سيرة بيت. كان يمكن للإنسان أن يشعر منذ اللحظة الأولى أن الطعام ليس مستقدمًا من مطبخ تجاري، بل خارج من بيت يعرف معنى “البركة”. عبق الجريش كان يملأ المكان كأنه ذاكرة الخليج نفسها.
والهريس، بطعمه الوقور، كأن الزمن القديم جلس على المائدة دون استئذان. والنخي والباجيلا… أطباق لا يقدّرها إلا من يعرف أن البساطة حين تُقدَّم بمحبة تصبح فخامة. ثم الأرز… والمشويات: التكا… والكباب… وكأن النار نفسها تعلمت الذوق قبل أن تمس اللحم. وكانت علب الجرجير البلاستيكية موضوعة ببساطة جميلة، حتى يخيل إليك أن الجرجير قُطع من الأرض قبل دقائق، وما زالت رائحة التربة عالقة فيه. وإلى جواره الليمون، كأن الطبيعة قررت أن تشارك المجلس اكتماله. وقد قال أحد الحكماء: “الطعام الذي يُطهى بمحبة… يُشبع القلب قبل المعدة.”

ناصر الخال… رجلٌ يرى أن الكرم لا يكتمل إلا بالمفاجأة

لكن “أبو عبد الله” ناصر الخال لم يكتفِ بالمجلس… فإذا به يُهدي الحضور ساندوتشات الشاورما، وفطاير السبانخ، وفطاير اللحم، وكأن الرجل يخشى أن تمر ليلة دون أن يترك بصمته الخاصة من المودة. كان يفعل ذلك بهدوء، دون أي رغبة في الظهور. وهنا تتجلى عظمة النفوس الحقيقية… النفوس التي تُعطي وكأنها تعتذر عن التقصير، رغم أنها تجاوزت الكرم بمراحل. وقد قال حكيم: الكرم الحقيقي لا يشعر صاحبه أنه فعل شيئًا عظيمًا… بل يشعر أنه ما زال مقصرًا.”

أم علي… حين يصبح الختام دعاءً حلو المذاق

ثم جاءت “أم علي” … لكنها لم تأتِ وحدها. جاء معها “الكريم كراميل”، والعصائر بأنواعها، والشوكولاتة، ومخبوزات وحلويات كأنها خُلقت لتقول إن الفرح لا يجب أن ينتهي سريعًا. ثم طبق الفاكهة… ولم يكن طبقًا، بل “بستانًا مصغرًا”. ألوان، وروائح، وتنوع، كأن الأرض قررت أن ترسل أجمل ما عندها إلى ذلك المجلس.

المشهد الذي لا يُنسى

ومن أعمق مشاهد تلك الليلة… أن أحد الأصدقاء لم يكن يرغب في الطعام، لأنه تناول غداءه متأخرًا. لكن “أبو تركي” لم يتركه. ذهب إليه بنفسه، وألحّ عليه بلطف الأب لا بإحراج المضيف. وكان لسان حاله يقول: “من دخل مجلسنا… تذوق طعامنا.” وهنا فقط أدركت أن الكرم ليس في تقديم الطعام… بل في الحرص أن يشعر كل من حضر أنه جزء من المكان.

الأحاديث التي تُصلح الداخل

بعد الطعام… جاء الشاي. ثم بدأت الأحاديث العميقة. مواقف لآباء مع أبنائهم في الدراسة، كيف تصنع القيم أبناءً مختلفين،
وكيف يبقى الأثر التربوي أطول من أي شهادة. ثم أحاديث عن العمل الإنساني… عن أثره المستدام، عن المجتمعات التي يغيّرها بصمت، وعن الإنسان حين يزرع خيرًا لا يعرف أين سيصل، لكنه يثق أن الله لا يضيّعه. وكان الحديث يمضي بسكينة، وكأن الجميع اتفقوا ضمنيًا أن المجالس ليست للأكل فقط… بل لإحياء المعنى. وقد قال حكيم: “إذا خرج الإنسان من المجلس وقد اتسع قلبه… فذلك مجلس ناجح، ولو لم يُقدَّم فيه شيء.”

الوداع الذي لا يشبه الوداع

ثم جاء وقت المغادرة… لكن الغريب أن الوداع لم يكن يحمل شعور “النهاية”. بل كان يشبه وعدًا ضمنيًا: “موعدنا الخميس القادم.” وكأن هذا ليس شعار المجلس فقط… بل فلسفته. أن تبقى الأبواب مفتوحة، والقلوب مفتوحة، والصحبة ممتدة.

دعاء يليق بالقلوب النبيلة

اللهم احفظ “أبا تركي” محمد فخرو، وبارك له في عمره وأهله وبيته ومجلسه، واجعل هذا المجلس من المجالس التي تُذكر فيها أسماؤهم في السماء قبل الأرض. اللهم بارك في “أبي عبد الله” ناصر الخال، ذلك الرجل الذي يحمل الطيبة كما يحمل الناس أنفاسهم، بلا تكلف ولا انقطاع. اللهم أدم على أهل هذا المجلس نعمة الألفة، والسكينة، والمحبة، والرزق الحلال، والقلوب الصافية. اللهم اجعل كل فنجان قهوة قُدّم، وكل لقمة طعام وُضعت، وكل ابتسامة خرجت، وكل خاطر جُبر… نورًا لهم يوم يلقونك.

ختام… لماذا لم نكن نريد المغادرة؟

لأن بعض المجالس… لا تُشبعك بالطعام فقط، بل تُشبعك بالإنسان. وفي تلك الليلة، أدركت أن العالم ما زال بخير… ما دامت هناك مجالس يدخلها المرء غريبًا، ويخرج منها وكأنه ترك جزءًا من قلبه هناك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top