مجلسٌ تُضاء فيه الأرواح قبل المصابيح

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

ليلة بني هاجر… حين يتحول الكرم إلى سيرةٍ تُروى

في بعض الليالي، لا يذهب الإنسان إلى دعوة عشاء… بل يذهب إلى مساحةٍ من الطمأنينة، كأن الله يفتح له بابًا صغيرًا ليرى أن الخير ما زال يسكن الناس. وفي مساء الأربعاء، جاءت دعوة الفاضل “أبو محمد الهاجري”، دعوة هادئة في كلماتها، عظيمة في معناها، إلى عشاء مساء الخميس الرابع عشر من مايو 2026، في مجلسه العامر بمنطقة بني هاجر، على شرف الفاضل د. مدحت. ولأن الدعوات الصادقة تُشبه أصحابها، لم تكن الدعوة تحمل تكلفًا، بل كانت تحمل دفئًا خالصًا، وكأنها تقول منذ البداية: “تعالوا كما أنتم… فالمحبة لا تحتاج بروتوكولات.”

الطريق إلى المجلس… حين تصبح المدن أكثر هدوءًا

في تلك الليلة، كانت الدوحة تميل إلى سكونها الوقور، والطرقات كأنها تخفف سرعتها احترامًا لمجلسٍ يعرف معنى اللقاء. وبعد صلاة العشاء، انطلقنا نحو بني هاجر، لا ونحن ذاهبون إلى عشاء فقط، بل ونحن نشعر أن هناك شيئًا جميلًا ينتظرنا، شيئًا لا يُرى في الدعوات المكتوبة، بل يُحسّ في نبرة أصحابها. وقد قال أحد الحكماء: “بعض البيوت تدعوك قبل أن تصلها… لأن أرواح أهلها تسبق أبوابها.” وهذا بالضبط ما كان يحدث.

الاستقبال… حين تصبح القهوة لغةً مستقلة

ما إن دخلنا المجلس، حتى شعرنا أن المكان لا يستقبل ضيوفًا… بل يحتضنهم. وجوهٌ هادئة، وابتسامات لا تعرف التصنع، وصوت الترحيب يخرج وكأنه جزء من هواء المجلس نفسه. ثم جاءت القهوة العربية… لكنها لم تكن مجرد فنجان، بل كانت إعلانًا رسميًا بأنك دخلت مساحة من الكرم العربي الأصيل، ذلك الكرم الذي لا يبدأ بالطعام، بل يبدأ بالاهتمام. وكان الشاي حاضرًا أيضًا، وكأنه يقول إن المجالس الجميلة لا تستعجل الوصول إلى المائدة، لأنها تعرف أن الحديث الطيب جزء من الضيافة. وفي تلك اللحظة، تذكرت قول أحد حكماء البادية: “القهوة ليست شرابًا… إنها الطريقة التي يقول بها العربي: أنت بين أهلك.”

المائدة… حين يصبح الأرز حكاية

ثم جاءت المائدة… ولم تكن مائدة عادية، بل كانت مشهدًا يستحق أن يُكتب عنه كما تُكتب القصائد. صينية كبيرة من الأرز الأصفر، لكن أي أرز هذا؟ كان اللون وحده يفتح الشهية، أما الرائحة فكانت تمشي نحو القلب قبل الأنف. أرزٌ لا يُوصف بأنه طعام، بل بأنه “حكاية”. حكاية تعبٍ جميل، وذوقٍ يعرف كيف يوازن بين البهار والسكينة، وبين الفخامة والبساطة. ويتربع فوقه الخروف المشوي، في مشهدٍ يشبه مجالس العرب القديمة حين كان الكرم يُقاس بقدر المحبة لا بعدد الأطباق. كان الخروف بلونه الذهبي وكأنه قطعة من الاحتفاء نفسه، وكأن المائدة تقول: ” هذه الليلة ليست عشاء… بل تقدير.”

الأطباق التي تُكمل المعنى

وحول الصينية، كانت الأطباق تتحرك في تناغم هادئ: السلطات بألوانها الطازجة، كأنها بساتين صغيرة جاءت لتجلس معنا. والهريس… ذلك الطبق الذي يحمل في داخله شيئًا من تاريخ الخليج وحنين البيوت القديمة. واللبن البارد، كأنه استراحة لطيفة وسط دفء المائدة. والماء الذي بدا في تلك اللحظة وكأنه شريك صامت في اكتمال المشهد. لم يكن هناك استعراض في المائدة… بل كان هناك اتزان. وما أجمل المجالس التي تعرف أن الذوق لا يحتاج ضجيجًا. وقد قال أحد الحكماء: ” إذا حضر الاتزان إلى المائدة، جلس الاحترام إلى جانب الكرم.”

الحوار الطيب… الوجه الآخر للطعام

لكن أجمل ما في الليلة لم يكن الطعام وحده… بل ذلك الحوار الهادئ الذي دار بين الحضور، حيث الكلمات لا تُقال لتُسمع، بل لتُشعر. حديث عن الحياة… عن الصحبة… عن الأيام التي تمضي سريعًا، ويبقى منها فقط الناس الطيبون. كان الجميع يتحدثون براحة من يعرف أن المجالس الحقيقية لا تُتعب الروح، بل تُعيد ترتيبها. ولعل أعظم ما في الصحبة الطيبة أنها تُشعرك أن الوقت صار أخفّ، وأن الهموم نسيت الطريق إليك لبعض الساعات. وقد قال حكيم: ” الصحبة الطيبة لا تحلّ مشكلات الحياة… لكنها تجعل القلب أقوى على حملها.”

مائدة الفاكهة… ختامٌ يشبه الدعاء

ثم جاءت مائدة الفاكهة، وكأنها ختام موسيقي هادئ بعد سيمفونية ممتدة من الكرم. أصناف متنوعة، مرتبة بذوق، كأن الطبيعة نفسها أرادت أن تضع لمستها الأخيرة على المجلس. وعادت القهوة والشاي مرة أخرى… لأن المجالس الأصيلة لا تنتهي فجأة، بل تُغلق أبوابها ببطء، حتى تخرج منها الأرواح وهي ممتلئة لا مثقلة.

أبو محمد الهاجري… الرجل الذي يشبه مجلسه

وفي وسط كل هذا الجمال، كان “أبو محمد الهاجري” حاضرًا بروحه الهادئة، يجلس بين ضيوفه كأن المجلس امتداد لشخصيته. لا تكلف… لا تصنع… لا محاولة لإثبات شيء. فبعض الرجال لا يحتاجون إلى أن يُظهروا كرمهم، لأن حضورهم وحده يكشفه. وكان واضحًا أن المجلس ليس مجرد مكان يجتمع فيه الناس، بل مساحة صنعها صاحبه من أخلاقه قبل أن يصنعها من الجدران. وقد قال أحد الحكماء: “المجلس يشبه صاحبه… فإن طابت روح الرجل، صار المكان أكثر رحابة من مساحته.”

بين الطعام والروح… ماذا يبقى؟

الغريب أن الإنسان بعد بعض الولائم ينسى ماذا أكل… لكن في تلك الليلة، بقي شيء أعمق من الطعم. بقي ذلك الشعور بأن الدنيا، رغم سرعتها، ما زالت تُخفي رجالًا يعرفون كيف يجعلون الضيف يشعر أنه ليس عابرًا. وبقيت تلك الطمأنينة التي لا تُشترى، بل تُمنح في المجالس الصادقة.

دعاء يليق بتلك الليلة

اللهم احفظ “أبا محمد الهاجري”، وبارك له في مجلسه وعمره وأهله، واجعل هذا الكرم شاهدًا له لا عليه. اللهم أدم على بيته السكينة، وعلى قلبه النور، وعلى صحبته المحبة، واجعل كل من دخل مجلسه يخرج منه وقد أصابته رحمة من رحمتك. اللهم بارك في د. مدحت، وفي كل من حضر تلك الليلة، واجعل الصحبة الطيبة بابًا من أبواب الخير الممتد. اللهم اجعل هذه المجالس عامرة بذكرك، مطمئنة بأهلها، محفوظة من كل سوء، واكتب لأصحابها من الأجر بقدر ما أدخلوا على القلوب من سرور.

حين تصبح الليلة ذاكرة

انتهت الليلة… لكن بعض الليالي لا تنتهي حين يغادر الناس. تبقى في الذاكرة مثل رائحة القهوة العربية في الثياب، ومثل صوت الترحيب الذي يظل يتردد في القلب طويلًا. وفي تلك الليلة، أدركت أن الكرم ليس في كثرة الطعام… بل في أن يشعر الإنسان، وهو يغادر، أن الدنيا لا تزال بخير… ما دام فيها رجالٌ مثل “أبو محمد الهاجري”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top