حين جلست العشر الأواخر من رمضان أمام العشر الأُوَل من ذي الحجة… بكى الزمن

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن اللقاء عاديًا…فالتاريخ نفسه لم يروِ أن موسمين عظيمين من مواسم الله جلسا يومًا يتحاوران عن الإنسان، وعن الأمة، وعن القلوب التي أرهقتها الدنيا ثم عادت تبحث عن نافذة نجاة. كانت السماء ساكنة بطريقة تُشبه الخشوع، وكانت الأرض وكأنها تُصغي. أما الزمن… فقد وقف مهيبًا، كأن عقارب الساعات تخشى أن تتحرك بين هذا الجلال.

دخلت العشر الأواخر من رمضان أولًا… هادئة… مطمئنة… تتفجر منها رائحة السَّحر، ودموع المتهجدين، وهمسات القرآن في جوف الليل. كانت تشبه أمًّا ربانية تمسح على قلوب المنكسرين.

ثم دخلت العشر الأُوَل من ذي الحجة… مهابة… مضيئة… في وجهها غبار عرفات، وصوت التلبية، وخطوات الحجيج، وحرارة التضحية. كانت تشبه قائدًا عظيمًا يوقظ الأمة من غفلتها.

جلس الموسمان متقابلين… وبينهما إنسان هذا العصر… متعب الروح… مزدحم القلب… يحمل هاتفًا في يده، وفراغًا هائلًا في داخله.

ابتسمت العشر الأواخر من رمضان وقالت بصوت يشبه بكاء العائدين إلى الله: “أنا التي أغلقت أبواب الضجيج ليفتح الإنسان أبواب قلبه… في لياليّ تعلّم الناس أن الركعة الواحدة قد تُنقذ عمرًا كاملًا من التيه.” ثم نظرت إلى الأرض بحنان وأضافت: “كم من عبدٍ دخلني مثقلًا بالذنوب، فخرج وكأنه وُلِد من جديد.”

ردّت العشر الأُوَل من ذي الحجة بصوت يحمل اتساع الصحاري وهيبة الجموع: “وأنا التي علّمت الإنسان أن الإيمان ليس دمعة خلوة فقط… بل حركة أمة… وبذل مال… وتضحية… وسفر قلب إلى الله.” ثم اقتربت قليلًا وقالت: “في أيامي يقف الملايين بلباس واحد… لا طبقات… لا مناصب… لا أوهام تفوق… فهل أدرك الإنسان بعدُ معنى الحقيقة؟” ساد الصمت… وكان الإنسان بينهما كطفلٍ ضلّ الطريق بين نورين.

قالت العشر الأواخر: “في لياليّ نزل القرآن… وفي محرابي كانت الأرواح تتطهر قبل الأجساد.”

فأجابتها عشر ذي الحجة: “وفي أيامي اكتمل الدين… وعلى صعيد عرفة وقف البشر كأن القيامة تقترب لتُذكّرهم بحقيقتهم.”

هنا ارتجف القلب. ليس لأن أحد الموسمين أراد الانتصار… بل لأن كليهما كان يفتح بابًا مختلفًا نحو الله.

قالت العشر الأواخر: “أنا خلوة الروح.” وقالت عشر ذي الحجة: “وأنا يقظة الأمة.”

قالت الأولى: “أنا دمعة السَّحر حين يظن العبد أن لا أحد يسمعه إلا الله.”

فقالت الثانية: “وأنا دمعة عرفة حين يشعر الإنسان أن السماء كلها مفتوحة له.”

ثم تدخل الزمن نفسه… وقال بصوت مهيب: “يا أعظم مواسم الأرض… لِمَ يبدو الإنسان بعدكم كما أنه يعود سريعًا إلى الغفلة؟”

تنهدت العشر الأواخر طويلًا… وقالت: “لأن كثيرين أحبوا أجوائي… ولم يحبوا التغيير الحقيقي.” وأضافت بحزن: “بعضهم بكى في التهجد… ثم عاد يؤذي الناس بلسانه. وبعضهم ختم القرآن… لكنه لم يفتح صفحة جديدة مع أخلاقه.”

أما عشر ذي الحجة فخفضت رأسها وقالت: “وبعضهم رفع يديه يوم عرفة… لكنه لم يرفع الظلم عن أحد. وبعضهم ضحّى بالأضاحي… لكنه بخل بالمودة والرحمة والإنصاف.”

هنا شعر الإنسان بالخجل… لأن المواسم لم تكن المشكلة… بل القلوب التي تمر عليها المواسم دون أن تتغير.

قالت العشر الأواخر من رمضان: “يا ابن آدم… أنا لم آتِ لتتعب جسدك فقط… بل لأعيد ترتيب روحك. كنت أريدك أن تخرج مني أخفَّ حقدًا… ألين قلبًا… أصدق لسانًا.”

وقالت عشر ذي الحجة: “وأنا لم آتِ لتعدّ التكبيرات فحسب… بل لأبني داخلك روح التضحية. أردتك أن تفهم أن الأمة لا تُبنى بالمشاهدة… بل بالبذل.”

ثم التفت الموسمان نحو الإنسان معًا… وقالا بصوت واحد: “متى ستفهم أن الطريق إلى الله ليس موسمًا عابرًا… بل عمرًا كاملًا؟” وفي تلك اللحظة… مرّت صور الأمة أمامهما. أطفال يبحثون عن أمان… أمهات يخفين الدموع خلف الدعاء… شعوب أنهكها الخوف… وقلوب نسيت كيف تطمئن.

فقالت العشر الأواخر: “كم تمنيت أن يخرج الناس من قيام الليل بقلوب لا تظلم أحدًا.” وقالت عشر ذي الحجة: “وكم تمنيت أن يتعلم الناس من الحج أن البشرية كلها تقف على أرض واحدة.”

ثم ابتسمت العشر الأواخر وقالت: “في لياليّ كان الفقير والغني يبكيان تحت السقف نفسه.”

وردّت عشر ذي الحجة: “وفي عرفاتي يلبس الملوك والبسطاء الثوب نفسه.”

وهنا بكى الزمن… لأن الإنسان ما زال يصرّ على بناء الجدران التي جاء الدين لهدمها.

قالت العشر الأواخر: “أنا مدرسة الإخلاص… فالناس ينامون، والعابد يبقى وحده مع الله.”

وقالت عشر ذي الحجة: “وأنا مدرسة الشهود… حيث يتحرك الإيمان من القلب إلى الواقع.”

ثم قالت الأولى: “أنا أُعلّم الإنسان كيف ينتصر على نفسه.”

فقالت الثانية: “وأنا أُعلّمه كيف ينفع غيره.”

تأمل الإنسان طويلًا… واكتشف أن أعظم أزماته لم تكن قلة المال… ولا ضيق الفرص… بل فقدان المعنى. لقد أتعبته الحياة لأنه ابتعد عن مواسم إعادة البناء الداخلي. وهنا تذكّر قول ابن القيم: “في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله.” وكأن العبارة لم تكن حكمة… بل تفسيرًا كاملًا لما يحدث للإنسان حين يبتعد عن هذه المواسم العظيمة.

قالت العشر الأواخر: “كنت أراك يا ابن آدم ترفع يديك في القنوت وكأن قلبك يريد أن يفرّ من الدنيا.”

وقالت عشر ذي الحجة: “وكنت أراك في التكبير تشعر أن روحك أكبر من همومك.”

ثم اقترب الموسمان من بعضهما… ولأول مرة ظن الإنسان أنه سيشهد منافسة بينهما. لكن المفاجأة كانت مختلفة.

قالت العشر الأواخر بحب: “ما أجملك يا عشر ذي الحجة… فيك عرفة… وفيك التكبير… وفيك أعظم أيام الدنيا.”

فابتسمت عشر ذي الحجة وقالت: “وأنتِ يا رمضان… فيك ليلة خير من ألف شهر… وفيك القرآن… وفيك تلك الطمأنينة التي لا تشبهها طمأنينة.” ثم قالتا معًا: “نحن لا نتنافس… نحن نتكامل.”

وأضافت العشر الأواخر: “أنا أبني القلب.” وقالت عشر ذي الحجة: “وأنا أختبر صدق هذا القلب في الميدان.”

قالت الأولى: “أنا أزرع الدموع.” وقالت الثانية: “وأنا أزرع الأثر.”

قالت الأولى: “أنا أُعلّم الإنسان كيف يخلو بالله.”

وقالت الثانية: “وأنا أُعلّمه كيف يحمل هذا النور إلى الناس.”

وفي تلك اللحظة… أدرك الإنسان سرّ المواسم. لم تكن مناسبات عابرة في التقويم… بل محطات إنقاذ متكررة… رحمة من الله بقلوب تتعب… وتضعف… وتنسى… ثم يُفتح لها الباب مرة أخرى. تذكّر الإنسان كم مرة أفسدته الدنيا… ثم أصلحته سجدة. وكم مرة ضاقت روحه… ثم وسّعتها تكبيرة. وكم مرة شعر أنه غارق…
ثم أنقذه دعاء في جوف الليل. هنا قال الزمن كلمته الأخيرة: “ما أعظم رحمة الله… كلما ابتعد الإنسان… فتح له موسمًا جديدًا للعودة.” أما العشر الأواخر من رمضان… فرفعت كفيها بالدعاء. وأما العشر الأُوَل من ذي الحجة… فرفعت صوت التكبير. وبين الدعاء والتكبير… وقف الإنسان أخيرًا… يفهم. يفهم أن النجاة ليست فكرة… بل عودة صادقة إلى الله. ويفهم أن المواسم المباركة لا تأتي لتملأ الأيام فقط… بل لتبني الإنسان. ثم انتهى اللقاء الذي لم يشهده التاريخ… لكن صداه بقي طويلًا في القلوب. لأن بعض المقالات لا تُقرأ بالحروف وحدها… بل تُقرأ بالأرواح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top