|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم يشهد التاريخ لقاءً كهذا…فبعض اللحظات لا تتكرر حتى في ذاكرة الزمن، وبعض المشاهد تبقى من شدّة قدسيتها أكبر من أن تحتويها الكتب.
في ليلةٍ لا تُشبه الليالي… حين هدأت الأرض قليلًا من ضجيجها، وخفّت أصوات البشر، وكأن الكون كله يستعدّ لحدث لا يليق به إلا السكون…
ظهرت ليلة القدر. لم تأتِ بخطواتٍ مسموعة… بل جاءت كما تأتي الرحمة إلى قلبٍ منكسر. هادئة… مضيئة…
تتدلّى من أطرافها سكينة لا تشبه شيئًا في الدنيا. كانت تحمل رائحة المصاحف المفتوحة قبل الفجر… وحرارة الدموع التي خبأها العابدون في سجودهم الطويل… وأصوات “العفو” التي خرجت من صدور أنهكتها الذنوب ثم عادت تبحث عن الله.
وفي الجهة الأخرى… كانت الأرض ترتجف بنداءات التلبية. الجبال تُردد الدعاء. والسماء تنظر إلى ملايين الأكف المرفوعة. ثم أقبل يوم عرفة. مهيبًا… واسعًا… كأنه موكب أمة كاملة تسير نحو الله دفعة واحدة. في ثوبه الأبيض كانت حكايات البشر جميعًا: الغني الذي اكتشف أن المال لا يشتري الطمأنينة… والفقير الذي جاء بقلبه فقط… والعاصي الذي أتعبه الهروب… والتائب الذي عاد متأخرًا لكنه عاد بصدق.
اقتربت ليلة القدر من يوم عرفة… ولأول مرة شعر الزمن أن السماء والأرض تتعانقان. قالت ليلة القدر بصوت يشبه همسات المتهجدين: “أنا الليلة التي يهرب فيها الناس من الدنيا إليهم… ويفرّ الصادقون منهم إلى الله.” ثم رفعت نورها قليلًا وأضافت: “فيّ نزل القرآن… وفي سكوني كانت الملائكة تمسح على القلوب المتعبة.”
ابتسم يوم عرفة… وكانت في ابتسامته رهبة الجموع وهي تبكي فوق صعيد واحد. وقال: “وأنا اليوم الذي تتجرّد فيه الأرواح من كل شيء إلا حاجتها إلى الله.” ثم نظر إلى البعيد… إلى ملايين الوجوه التي أحرقتها الشمس وأنعشها الرجاء: “فيّ يقف البشر حفاة المعاني… عارين من الكبرياء… متساوين كما أن القيامة جاءت لتذكّرهم بحقيقتهم.”
ساد الصمت… ليس صمت الفراغ… بل صمت الهيبة. وكأن الكون نفسه يخشى أن يقاطع هذا الحديث. قالت ليلة القدر: “كم من عبدٍ دخلني مكسورًا… فخرج وقلبه ممتلئ بالنور.”
فأجاب يوم عرفة: “وكم من إنسان جاءني مثقلًا بالعمر كله… فعاد وكأنه وُلِد من جديد.”
ثم نظرت ليلة القدر إلى الأرض بحنان وقالت: “أنا أحب العابد حين يختبئ عن الناس ليبكي وحده…
حين لا يراه أحد إلا الله.”
فقال يوم عرفة: “وأنا أحب الإنسان حين يذوب وسط الملايين… فلا يعود يرى نفسه أكبر من أحد.”
قالت ليلة القدر: “أنا سرُّ الخلوة.” وقال يوم عرفة: “وأنا سرُّ الحشود.”
قالت الأولى: “فيّ يرتفع صوت القرآن في جوف الليل.” وقال الثاني: “وفيّ ترتفع التلبية حتى تشعر الجبال أن القلوب تنادي معها.”
ثم اقتربا أكثر… حتى شعر الإنسان – الذي كان يستمع مرتجف الروح – أن قلبه لم يعد يحتمل هذا الجمال. تذكّر لياليه القديمة… حين كان صغيرًا يستيقظ على صوت أمه وهي تدعو في السَّحر. وتذكّر أوّل مرة بكى فيها دون أن يفهم لماذا بكى. وتذكّر كيف كان يشعر في رمضان أن السماء أقرب من المعتاد.
ثم تذكّر عرفة… ذلك اليوم الذي يشعر فيه حتى البعيد عن الحج أن الكون كله يدعو. وأن الدعاء في ذلك اليوم ليس كلمات… بل انهيار روح كاملة بين يدي الله.
قالت ليلة القدر: “يا يوم عرفة… فيّ تتنزل الملائكة.” فأجابها: “وفيّ يباهي الله بأهل الأرض أهل السماء.”
قالت: “أنا ليلة قد تغيّر دعوة واحدة فيها مصير إنسان.” فقال: “وأنا يوم قد تُغفر فيه أعمار كاملة من الخطايا.”
ثم سألت ليلة القدر بصوت رقيق: “أخبرني… ما أكثر مشهد أبكاك؟” تنهد يوم عرفة طويلًا… وقال: “رجل وقف تحت الشمس ساعات… يرفع يديه ويبكي: يا رب… لقد تعبت.” ثم سكت قليلًا وأضاف: “لم يكن يطلب مالًا… ولا منصبًا… كان يطلب سلامًا داخليًا فقط.”
اهتزّت ليلة القدر… وكأنها تعرف هذا الألم جيدًا. وقالت: “أما أنا… فأكثر ما أبكاني شابٌ كان يضحك أمام الناس دائمًا… لكنه في سجوده الطويل قال: يا الله… أنا غارق… فأنقذني.”
ثم بكت الليلة… وبكى اليوم. وبكى الإنسان بينهما. لأن الحقيقة المؤلمة ظهرت واضحة: البشر لا يُتعبهم الفقر دائمًا… بل يُتعبهم البعد عن الله.
قال يوم عرفة: “يا ليلة القدر… لماذا يعود كثير من الناس بعدك كما كانوا؟”
أخفضت نورها قليلًا وقالت بحزن: “لأن بعضهم أحب أجوائي… ولم يحب التغيير.” ثم أضافت: “بعضهم بكى… لكنه لم يُصلح قلبه. وبعضهم أطال الدعاء… لكنه لم يردّ المظالم إلى أهلها.”
هنا قال يوم عرفة: “وأنا أيضًا رأيت من عاد من الحج بثياب جديدة… وقلبٍ قديم.” ارتجف الإنسان… لأن الكلمات أصابت مواضع لم يكن يريد مواجهتها.
قالت ليلة القدر: “لم آتِ ليحفظ الناس عدد الركعات فقط… بل لأعيد بناء أرواحهم.”
وقال يوم عرفة: “ولم آتِ ليقف الناس فوق جبل وحسب… بل ليعرفوا أن الكبرياء لا يليق بعبد.”
ثم مرّت أمامهم صور العالم… مدن متعبة… قلوب قلقة… بيوت يسكنها الصمت رغم الازدحام… وأناس يملكون كل شيء إلا الطمأنينة.
فقالت ليلة القدر: “إن عرف البشر معنى القرب من الله… لما أكل القلق أرواحهم بهذا الشكل.”
وقال يوم عرفة: “وإن عرفوا معنى الوقوف الحقيقي بين يدي الله… لتصالحوا مع أنفسهم ومع الناس.”
ثم حدث ما لم يكن يتوقعه الإنسان… اقتربت ليلة القدر من يوم عرفة… وكأنهما يتعانقان. وقالت ليلة القدر بحب: “ما أعظمك… فيك دعاء أمة كاملة.” فابتسم يوم عرفة وقال: “وما أعظمك… فيك ليلة خير من ألف شهر.”
قالت: “فيّ يختبئ الناس في ظلام الليل ليقتربوا من الله.” فقال: “وفيّ يذوب الناس تحت الشمس ليقتربوا منه.”
قالت: ” أنا دمعة الخلوة.” وقال: “وأنا دمعة الجماعة.”
قالت: “أنا أعلّم القلب كيف يلين.” وقال: “وأنا أعلّمه كيف ينكسر.”
ثم قالا معًا: “ولا نجاة لإنسان حتى يلين قلبه وينكسر لله.” وفي تلك اللحظة… شعر الإنسان بشيء لم يشعر به منذ سنوات. شعر أن قلبه أخف. أن الدنيا أصغر. أن الله أقرب مما كان يظن. أدرك أن ليلة القدر لم تكن ليلة في التقويم… بل باب نجاة. وأن يوم عرفة لم يكن يومًا عابرًا… بل فرصة عمر. ثم رفع بصره نحو السماء… وكان الليل يلتقي بالنهار بطريقة لا تحدث إلا في الأرواح. واكتشف أخيرًا… أن أعظم ما في ليلة القدر ويوم عرفة… ليس كثرة الدعاء فقط… ولا عظمة المواسم فقط… بل تلك اللحظة النادرة… حين يبكي الإنسان بينهما… فيعود إلى الله كما أنه يعود إلى نفسه لأول مرة.