|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
بيت البركات… حين يتحول الطعام إلى لغةٍ من المحبة
في الحياة موائد كثيرة… لكن قليلًا منها فقط يبقى في الذاكرة كأنه سورةٌ من الطمأنينة تُتلى كلما أرهق القلب صخب الأيام. وهناك بيوت، ما إن يُذكر اسمها حتى تشعر أن الكرم فيها ليس عادةً اجتماعية، بل هويةٌ متوارثة، كأن الجدران نفسها تربّت على العطاء. ومن تلك البيوت… بيت سيد بركات “أبو بركات”.
ثلاث رسائل… وثلاث نوافذ من المودة
بدأت الحكاية برسالة رقيقة من الفاضل “أبو بركات”، يوم الثلاثاء التاسع عشر من مايو 2026: “موعدنا على الفطار الجمعة… نتشرف بكم.” وكان في العبارة شيء من الأدب القديم، ذلك الأدب الذي يجعل الدعوة تكريمًا قبل أن تكون موعدًا. ثم جاءت الرسالة الثانية من الفاضلة “أم بركات”: شوف الأستاذ نفسه في إيه…” يا الله… ليست مجرد جملة. بل بيتٌ كامل اختصر نفسه في سؤال. سؤال لا يبحث عن الطعام… بل يبحث عن خاطر الضيف. وقد قال حكيم : “البيوت الراقية لا تسأل: ماذا نُقدّم؟ بل تسأل: ماذا يُحب ضيفنا؟” ثم جاءت الرسالة الثالثة يوم الخميس، عبر صديق يشاركنا الإفطار في أيام ذي الحجة المباركة، وكأن الدعوة لا تريد أن تصل فقط… بل تريد أن تُحاط بالمودة من كل الجهات. وهنا أدركت أن بعض الدعوات لا تُرسل عبر الهاتف… بل تُرسل عبر القلوب.
الطريق إلى مجمع الفرات… حين يصبح الوصول شوقًا
وجاءت الجمعة، الثاني والعشرون من مايو 2026. وفي الطريق إلى “مجمع الفرات” بالدوحة- قطر، جاءت مكالمة متابعة واطمئنان: “وصلتم؟” وهنا فقط تشعر أن الكرم الحقيقي يبدأ قبل أن تدخل البيت. فبعض الناس لا ينتظرون حضورك ليُكرموك… بل يبدؤون الاهتمام بك وأنت في الطريق إليهم.
قبل المغرب… حيث تهدأ الأرواح
وصلنا قبل المغرب بقليل. وكان البيت هادئًا بطريقة تُشعرك أن البركة تسكنه. أذكارٌ رقيقة من هدي الحبيب ﷺ، تتردد في المكان، كأن الجدران تحفظها قبل أهل البيت. ثم جاء الأذان… ذلك الأذان الذي لا يعلن دخول المغرب فقط، بل يعلن لحظة امتنان جديدة.
خشاف أم بركات… المشروب الذي لا يُشبه إلا نفسه
وكانت البداية مع “خشاف أم بركات”. لكن الحقيقة أنه ليس “خشافًا” بالمعنى التقليدي… بل وصفة حنان. حليب ممزوج بالتمر والزبيب والمشمش، بطريقة لا تُشرب فقط، بل تُشعر الإنسان أنه عاد إلى زمن البيوت القديمة، حيث كانت الأمهات يطبخن الحب مع الطعام. وقد قال حكيم: “بعض الأطعمة لا تُصنع بالمقادير… بل بالقلوب.” وهذا ما كان واضحًا في أول رشفة.
صلاة المغرب… والمجادلة التي جادلت القلوب
ثم صلينا المغرب. وكانت الآيات من سورة المجادلة، وكأنها جاءت لتقول إن البيوت التي يُذكر الله فيها… تصبح أكثر رحمة من أن تُوصف. وفي تلك اللحظة، شعرت أن المائدة القادمة ليست مجرد طعام… بل امتداد لهذا النور.
“تفضلوا أساتذتنا” … الجملة التي أخذت القلب
ثم جاء النداء الرقيق من العزيز سيد “أبو بركات”: “تفضلوا أساتذتنا…” يا الله على الكلمات حين تخرج من قلوب نظيفة. لم تكن مجرد دعوة إلى الطعام، بل كانت احتفاءً بالضيف بطريقة تُشعره أنه عزيزٌ بحق. وقد قال أحد الحكماء: “الكلمة الطيبة أحيانًا تكون أشهى من الطعام نفسه.”
المائدة التي ذكّرتنا بالجنة
دخلنا صالة الطعام… وهنا توقفت اللغة قليلًا. كانت المائدة أشبه بمشهدٍ لا يُكتب، بل يُتأمل. صينية كبيرة، يتربع عليها البط، والدجاج، واللحم، والحمام، والكفتة… لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في اللحوم… بل في الأرز. ذلك الأرز الذي يجعلك في حيرة: هل تأكل اللحم؟ أم تنشغل بطعمه هو؟ كان أرزًا يحمل شيئًا من السحر الشرقي، كأن كل حبة فيه خضعت لميزان دقيق من الذوق والخبرة والمحبة.
ثم جاءت طواجن الخضار… البسلة الخضراء باللحم، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تدخل المائدة بثوبٍ فاخر. وأطباق الأرز الهندسية، والسلطات الملونة، والمخللات المتنوعة، وأطباق الخس والجرجير، والفول الأخضر، والجبنة القديمة الأصيلة… كل شيء كان يقول بصمت: “هذا بيت يعرف معنى الإكرام.”
رقاق أم بركات… حين تتحول اليد إلى ذاكرة
أما “رقاق أم بركات”… فذاك فصلٌ مستقل من الحكاية. كان الرقاق يحمل طعم البيوت المصرية القديمة، حيث كانت الأمهات يخبزن الحب قبل الدقيق. والأجمل… أن المائدة كلها من صناعة “أم بركات”. ما شاء الله… ما شاء الله… ما شاء الله… وهنا فقط فهمت أن بعض النساء لا يُدرن البيوت فقط… بل يصنعن هويتها كاملة. وقد قال أحد الحكماء: ” المرأة العظيمة لا تُرى في الكلام… بل تُرى في أثرها على كل ما حولها.”
المائدة الثالثة… حديقة فاكهة في قلب البيت
ثم جاءت المائدة الثالثة… وكأن البيت يرفض أن تنتهي السعادة سريعًا. طبق فاكهة بدا كحديقة مصغرة: موز، جوافة، تفاح، برتقال، مانجو… ألوان وروائح وحياة. ثم الشاي الكرك، والشاي، والقهوة التركية… جلسة ختامية تشبه الموسيقى الهادئة بعد سيمفونية طويلة من الكرم.
روضة… والختام الذي يشبه اسمها
لكن المفاجأة الأخيرة جاءت من الغالية “روضة”. مشروب كافية بالآيس كريم، أُعدّ خصيصًا بحب واضح، وكأنها أرادت أن تقول إن الختام يجب أن يكون بقدر جمال البداية. وكان المشروب فعلًا يشبه اسمه: روضة من الذوق.
بيت البركات… لماذا لا يُنسى؟
لأن بعض البيوت لا تُطعمك فقط… بل تُعيد ترتيب روحك. في بيت “أبو بركات”، شعرت أن الكرم ليس في كثرة الطعام، بل في كثرة الحب المختبئ داخله. شعرت أن كل فرد في البيت يشارك في صناعة المعنى:
- أبو بركات بابتسامته وندائه الرقيق.
- أم بركات بذوقها ويديها المباركتين.
- روضة بلمستها الرقيقة.
- شيماء، وأحمد، وحفصة… بذلك الحضور الذي يجعل البيت حيًا.
وقد قال حكيم: “البيت الذي يتقاسم أهله الكرم… يصبح أكبر من مساحته.”
دعاء يليق ببيت البركات
اللهم بارك لبيت “أبو بركات”، واجعل البركة تسكن جدرانه كما سكنت قلوب أهله. اللهم احفظ “أبا بركات”، وأدم عليه الصحة والنور وراحة البال، واجعل كرمه شاهدًا له يوم يلقاك. اللهم بارك في “أم بركات”، تلك المرأة التي جعلت الطعام رسالة محبة، والبيت جنة صغيرة، وألبسها ثوب العافية والسعادة والرضا. اللهم احفظ “بركات”، و”روضة”، و”شيماء”، و”أحمد”، و”حفصة”، واجعلهم من أهل الخير والصلاح والبركة، وافتح لهم أبواب التوفيق والسكينة. اللهم اجعل هذا البيت بيت ذكرٍ ورحمة، لا يدخله حزن، ولا يغادره نور.
ختام… لماذا ستبقى هذه المائدة؟
لأنها لم تكن “مائدة” فقط… بل كانت درسًا عالميًا في كيف يتحول الطعام إلى مشاعر، والضيافة إلى أدب،
والبيت إلى وطن صغير للروح. وفي تلك الليلة، أدركت أن بعض البيوت لا تُزار مرة واحدة… بل تبقى معلقة في القلب، كأن الإنسان غادرها بجسده فقط… وترك فيها جزءًا من روحه.