|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
لم يكن الفيديو طويلًا…دقائق معدودة، وصوت امرأة تبدو كأنها خرجت من زمنٍ لم تعد الأرض تعرفه كثيرًا. لا مؤثرات، لا فصاحة متكلّفة، لا خطابة منمّقة، فقط روحٌ تتوضأ بالكلمات، وقلبٌ يقطر يقينًا كأن بينه وبين السماء بابًا مفتوحًا لا يُغلق. أرسله صديق، وكتب تحته جملة صغيرة هزّت المعنى كله: “هذه السيدة الفاضلة تذكرني بأمي وجدتي.”
ولم تكن الجملة عابرة… لأن الإنسان حين يكبر، لا يشتاق غالبًا إلى البيوت القديمة، ولا الأزقة، ولا الأطعمة، بل يشتاق إلى ذلك النور الذي كان يسكن الوجوه. يشتاق إلى امرأة كانت إذا رفعت يديها شعرتَ أن البيت كله أصبح تحت رعاية السماء. تلك النساء اللاتي لم يدرسن الفلسفة، لكنهن فهمن الحياة أكثر من الفلاسفة. ولم يقرأن كتب التنمية، لكنهن ربّين أرواحًا تعرف كيف تنهض بعد الانكسار. نساءٌ كنّ يخبئن الإيمان داخل التفاصيل الصغيرة، في الماء الذي يُقرأ عليه القرآن، في دعاء الفجر، في همسات السحر، في كلمة: “الله يرضى عليك” التي كانت تكفي لتداوي قلبًا كاملًا.
وحين بدأت المرأة في الفيديو بالدعاء، لم يكن الدعاء مجرد كلمات… كان سيرةَ روح. كانت تقول: “يا سورة الإخلاص كوني ذخيرتي… انفعيني عند موتي وغسلي ودفنتي…”
يا الله… أي قلب هذا الذي يعيش مع الموت بهذه الطمأنينة؟ وأي يقين هذا الذي يجعل إنسانًا يُرتّب حتى وحدته الأخيرة في القبر بهذا الصفاء؟ لقد خافت أجيالنا من الموت لأنها تعلقت بالدنيا أكثر مما ينبغي، أما أولئك الصالحون البسطاء، فكانوا يخافون فقط أن يلقوا الله بقلوبٍ متعبة. قال الإمام ابن الجوزي: “العاقل من عمل على لقاءٍ لا يندم بعده أبدًا.” وكانت تلك المرأة، دون أن تعرف ابن الجوزي، تعيش هذه الحكمة بكامل فطرتها. كانت تستغفر بعينيها، وبخطواتها، وبيديها، وكأنها تعتذر إلى الله عن كل شيء مرّ عبر الجوارح دون أن يكون يليق بعظمته.
“استغفر الله من عيني وبصتي… استغفر الله من يدي ومدتي… استغفر الله من رجلي ومشيتي…”
أي مدرسة إيمانية هذه؟ لقد تحوّل الاستغفار عندها من كلمة إلى حالة وعي كاملة. فهي لا ترى الذنب حادثة منفصلة، بل ترى أن الجسد كله قد يحتاج أن يُطهَّر بالعودة إلى الله. وفي عصرٍ أصبح الناس فيه يبررون الأخطاء أكثر مما يتوبون منها، جاءت هذه المرأة لتعيد تعريف النقاء دون أن تشعر. كان صوتها متعبًا قليلًا… لكنه التعب الذي يشبه الطرق الطويلة إلى الله. ذلك الإرهاق الذي يتركه العمر على أرواح الصالحين وهم يحملون همَّ النجاة لا همَّ الظهور. وحين قالت:
“يارب ما لناش غيرك… نبات ونصبح في خيرك… لا تنسني ذكرك ولا تحوجني لغيرك…” شعرتُ أن البشرية كلها تختصر داخل هذا الدعاء. فالإنسان، مهما امتلك، يبقى هشًّا دون الله. كل القوة التي يتباهى بها الناس تسقط في لحظة مرض، أو خبر، أو فقد، أو قبر. فحين تُغلق كل الأبواب، ستفهم لماذا كان الله وحده الباب الحقيقي. وكانت هذه المرأة تعرف ذلك جيدًا. لم تطلب قصورًا، ولا مجدًا، ولا انتصارًا على أحد… كل ما أرادته ألا تحتاج لغير الله.
وهنا الفرق بين جيلٍ كان يبحث عن البركة، وجيلٍ يبحث عن الاستعراض. لقد كانت الجدّات قديمًا يربين أبناءهن على فكرة “الستر”، أما اليوم فكثير من الناس يربون أبناءهم على فكرة “الظهور”. والفرق بينهما يشبه الفرق بين شجرة تضرب جذورها في الأرض، وأخرى معلّقة في الهواء. وحين كررت الصلاة على النبي ﷺ بذلك الحب الفطري:
“اللهم صل على عين العناية وكنز الهداية…” لم تكن تنطق مدائح فقط، بل كانت تتكئ على الرحمة. فالذين أحبوا رسول الله ﷺ بصدق، لم يكونوا دائمًا علماء، لكنهم كانوا يملكون قلوبًا تعرف الطريق إليه. قال الإمام مالك: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.” وما صلح به أولها لم يكن الجدل… بل المحبة الصادقة، والخشوع، والحياء من الله.
ثم فجأة… دخلت المدينة المنورة إلى الدعاء. “وهب لي في المدينة قرارًا ورفقًا… ثم دفنتي في البقيع…” يا الله… حتى الأمنية الأخيرة كانت مؤدبة. لم تطلب الدنيا، بل طلبت الجوار. وهناك فرق عظيم بين من يريد “امتلاك” الأماكن، ومن يريد أن يُدفن بالقرب من الطاهرين.
لقد فهمت هذه المرأة ما لم يفهمه كثيرون: أن الإنسان لا يبحث في النهاية عن مكانٍ يعيش فيه… بل عن مكانٍ يلقى الله منه. وحين قالت: “اللهم هون علينا سكرات الموت…” ساد الصمت داخلي. لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس الموت ذاته، بل لحظة الانكشاف الكامل أمام الحقيقة. تلك اللحظة التي تسقط فيها الألقاب، والمناصب، والصور، والمتابعون، والخطابات الطويلة… ويبقى القلب وحده. قال الحسن البصري: “فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي لبٍّ فيها فرحًا.” لكن العجيب أن هذه المرأة لم تكن مذعورة من الموت… كانت فقط تريد اللطف فيه. وهذه مرتبة عالية من الإيمان، أن تخاف الله بمحبة، لا برعب. وأن تستعد للقبر بأمل، لا بيأس.
ثم جاء المقطع الذي شعرتُ فيه أن الزمن كله يبكي: “يا ملوك الليل… يا ملوك النهار… يا نازلين بالإحسان… يا طالعين بالأعمال… اشهدوا لي عند ربي إني مؤمنة موحدة بالله…” من أين جاءت بهذه اللغة؟ من أي مدرسة؟ من أي جامعة؟ الجواب بسيط… جاءت من حياةٍ عاشت مع الله أكثر مما عاشت مع الناس. فهناك أرواح، وإن لم تتعلم كثيرًا، إلا أنها تسمع القرآن بقلوبها، لا بآذانها فقط. ولذلك يبقى أثرها.
إن بعض النساء البسيطات في البيوت المجهولة صنعن من الإيمان ما لم تصنعه آلاف الخطب. كم من أمٍّ كانت سببًا في نجاة أسرة كاملة بسبب دعوة في جوف الليل؟ وكم من جدةٍ ماتت ولم تترك مالًا، لكنها تركت أبناءً كلما ضاقت بهم الدنيا تذكروا وجهها فثبتوا؟ لقد كانت تلك الأجيال تؤمن أن البركة ليست فيما نملك… بل فيما يرضى الله عنه. واليوم، وسط هذا الضجيج العالمي، جاء ذلك الفيديو كأنه رسالة سماوية تقول لنا: عودوا إلى الله ببساطة. لا تتكلفوا الطريق إليه. ابكوا إن احتجتم للبكاء. استغفروا بجوارحكم كلها. تعلقوا بالله قبل أن تتعلقوا بكل شيء زائل.
وفي نهاية الفيديو… كانت دموعها تسبق الكلمات: “أسألك يارب العفو والمسامحة…” وهنا فقط فهمت لماذا تأثر صديقي وقال: “ذكرتني بأمي وجدتي.” لأن الأمهات الصالحات لا يرحلن حقًا. إنهن يبقين داخل الدعاء. يبقين في طريقة رفع اليدين. في الخوف من ظلم الناس. في الاستغفار بعد الخطأ. في الحنين إلى المدينة. في الصلاة على النبي ﷺ. في الرغبة أن نموت بقلوب سليمة. قال مصطفى صادق الرافعي: “بعض الناس إذا غابوا عنك شعرت أن معنى من معاني الإنسانية قد اختفى.” وهؤلاء النسوة كنّ معنى الطمأنينة في هذه الأرض.
رحم الله الأمهات اللواتي علّمن أبناءهن أن الله أقرب من كل شيء. رحم الله الجدات اللواتي كنّ يخبئن الإيمان في أرغفة الخبز، وفي دعوات السفر، وفي دموع السَّحر. ورحم الله تلك المرأة في الفيديو… فقد أيقظت بصوتها ذاكرة أمة كاملة، وذكّرتنا أن النجاة لا تحتاج ضجيجًا عظيمًا، بل قلبًا يعرف الطريق إلى الله ولو كان يرتجف.