|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
“أسماء غريب… حين يصبح الترحيب فنًا”
لا تُكتب الذكريات بالحبر، بل تُنقش على جدار الروح، وبعض البيوت لا تدخلها الأقدام فقط… بل تدخلها الطمأنينة، وكأنك تعود إلى شيء منك كان ينتظرك منذ زمن.
رنّ الهاتف عصر يوم عرفة… صوت الغالية أسماء غريب يحمل من الود ما يكفي ليبدد تعب عامٍ كامل: ” -عمو… موعدنا على الفطار غدًا بإذن الله.” ولأن بعض الدعوات لا تُعتذر منها، لم يكن الرد سوى ابتسامةٍ سمعها القلب قبل الأذن… فثمة بيوت حين تدعوك، تشعر أن الزيارة ليست زيارة، بل صلة رحمٍ كتبتها السماء قبل أن يكتبها البشر.
ويمضي العيد… تكبيرات الفجر تتسلل بين الأرواح، “الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله…” والقلوب تمشي إلى الصلاة خفيفةً كأنها تغتسل بالنور. وعقب صلاة عيد الأضحى، يأتي الاتصال الثاني:” -عمو… وينكم؟”
يا الله… أي حب هذا الذي يسأل عنك قبل أن تصل؟ وأي دفءٍ هذا الذي يجعل الطريق إلى الفروانية أقرب إلى رحلة نحو الحنين لا نحو منزل؟ نمضي مكبرين… وفي الطريق اتصال آخر من أحمد الشرقاوي: “أستاذ محمد… وصلتم فين؟ حتى أبلغ الحارس بشأن موقف السيارة.” ليست العبارة هنا عن موقف سيارة…
بل عن مساحة احترام واسعة يفرشها الكبار أمام ضيوفهم دون تكلف. قال الإمام الشافعي: “التودد إلى الناس نصف العقل.” لكن بعض الناس… يتجاوزون التودد إلى مرتبة النبل الفطري.
نطرق الباب… يفتح أحمد الشرقاوي الباب، فتدخل الابتسامة قبل أن ندخل نحن. ” أهلًا أستاذ محمد… كل عام وأنتم بخير.” وتأتي الغالية أسماء غريب بروحٍ تشبه الأعياد القديمة، تلك التي كانت البيوت فيها عامرة بالمحبة قبل الزينة. ثم تظهر شهد… بحياء البنات الجميل حين يكون الأدب جزءًا من التربية لا جزءًا من المناسبات: “كل سنة وانت بخير يا عمو.” ثم حنين… بحركتها اللطيفة التي لا تُنسى، وكأن الطفولة جاءت لتصافح القلب بنفسها.
في تلك اللحظة… شعرت أن السعادة ليست مشروعًا معقدًا كما يظن الناس، بل بابٌ يُفتح بمحبة، وأرواحٌ تستقبلك بصدق. جلسنا… القهوة العربية تفوح كأنها ترحب باللغة قبل الضيوف، وشاي الكرك يعلن أن الدفء يمكن أن يُشرب. والتمر… ذلك الضيف الذي لا يخون المجالس الأصيلة.
ثم تأتي مائدة الشرقاوي وغريب… يا الله… ليست مائدة طعام، بل ذاكرة مصرية كاملة. الكبدة الإسكندراني تتصدر المشهد بثقة المدن العريقة، والكلاوي والقلوب في طبقٍ آخر كأنها تقول إن الكرم الحقيقي لا يعرف “القليل”. أما طبق الخضار… فلم يكن طبقًا عابرًا، بل بستانًا صغيرًا: جرجير، بصل أخضر، خيار، طماطم، بقدونس، وفلفل أخضر حار… ألوانه وحدها كانت كفيلة بأن تفتح الشهية للحياة.
ويبدأ أحمد بإعداد السندوتشات بالخبز المصري… وهنا فقط… تحولت الجلسة إلى رواية. ذكريات خالو إسماعيل… تيتة وفاء… خالو جابر… عمتو جميلة… المرحوم د فكري… الأسماء لم تكن تُقال… بل كانت تمر بيننا كأن أصحابها يجلسون معنا فعلًا. قال جبران خليل جبران: “الذكريات شكلٌ من أشكال اللقاء.”
وفي تلك الجلسة… كان الغائبون حاضرين أكثر من كثير من الحاضرين في هذا العالم. ثم جاء الشاي… وطبق الفاكهة المرتب بعناية تشبه نقاء أحمد الشرقاوي نفسه. أما حلويات أسماء غريب… فكانت فصلًا آخر من الشهد والحنين: غُريبة تذوب كأنها خُلقت من لطف، وتمرية تحمل طعم البيوت الأصيلة، وبيتي فور يشبه أناقة الروح حين تتجسد طعامًا. وكان الوقت يمضي بسرعةٍ … لأن الساعات تخوننا دائمًا في الأماكن التي نحبها.
ثم جاءت اللحظة التي أغلقت المشهد بكماله… اتصال فيديو… الجدان الغاليان، والعزيز الأخ الأكبر أبو أحمد، والغالية أم أحمد… وهنا فقط اكتملت اللوحة. أدركت أن العيد الحقيقي ليس ثوبًا جديدًا، ولا مائدة عامرة، ولا حتى تكبيراتٍ تُسمع…
العيد الحقيقي… أن تجد قلوبًا حين تراك تشعر أنك لست ضيفًا… بل واحدٌ من الدعاء المستجاب في حياتهم. قال الرافعي: “بعض الناس إذا حضروا صار المكان وطنًا.” وهذا ما كان… في مثل هذا اليوم… لم نزُر منزلًا فقط، بل زرنا المعنى الحقيقي للعائلة حين تتسع خارج حدود الدم، وزرنا الوفاء حين يصبح أسلوب حياة، وزرنا الحب النظيف الذي لا تصنعه المصالح… بل تصنعه الأرواح الطيبة.
اللهم يا واسع الفضل والكرم… بارك لأحمد الشرقاوي في عمره ورزقه وصحته، واجعل قلبه عامرًا بالطمأنينة كما أعمر قلوب الناس بالمحبة. اللهم واحفظ الغالية أسماء غريب، واجعل عطاءها شاهدًا لها لا عليها، واكتب لها من الفرح ما يليق بنقاء روحها. اللهم واحفظ شهد، وزدها حياءً وجمال روح، وافتح لها أبواب الخير والتوفيق. واحفظ حنين، وأدم ضحكتها نورًا في البيت، واكتب لها مستقبلًا مليئًا بالسعادة والبركة. اللهم وبارك في الجدين الكريمين، وأطل أعمارهم على الطاعة والعافية، واحفظ أبا أحمد وأم أحمد ومن يحبون، واجعل هذا البيت بيتَ مودة ورحمة وستر دائم.
وفي مثل هذا اليوم… بقيت بعض اللحظات أكبر من أن تُنسى، لأنها لم تمر على العمر فقط… بل مرت على القلب، واستقرت فيه إلى الأبد.