أبي… أبي … مكالمة تاريخية … أول أيام التشريق – 11 ذو الحجة 1447هـ

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

الخميس 28 مايو 2026

بعض المكالمات لا تُسجَّل في سجل الاتصالات… بل تُحفَر في أعمق موضعٍ في القلب، وتبقى سنوات العمر كلها عاجزة عن تجاوز أثرها.

وصلتني مكالمة نادرة من الحبيب أنس علام، نجل أستاذي ومعلمي وأخي الأكبر، الأستاذ أحمد علام، شفاه الله وعافاه وأطال عمره على الطاعة والخير…عقب رسالتي له: ” يا أنس… دون قسم، ما عرفت كيف أبدأ هذه الرسالة، لأن بعض المشاعر أكبر من أن تُكتب، وبعض الوفاء يظل ساكنًا في القلب سنواتٍ طويلة دون أن يجد لغةً تليق به، منذ عرفنا والدكم الكريم في الثمانينات، ونحن لا نتحدث عن رجل عابر في حياتنا، بل عن قيمة إنسانية نادرة….” 

لم أكن أعلم أن الرسالة ستعود إليّ بهذا القدر من المشاعر التي هزّت القلب من الداخل. كان صوت أنس مختلفًا… ليس لأنه يحمل الكلمات فقط، بل لأنه كان يحمل برّ الابن، وحياء التربية، ووفاء البيت الذي تعلّم فيه الأبناء أن حفظ الجميل ليس خُلقًا عابرًا، بل دينًا في الأعناق. لكن الحقيقة… أن المكالمة لم تبدأ بصوت أنس. بل بدأت بتلك الكلمة التي خرجت من قلب الابن بعفويةٍ أذهلتني: “أبي… أبي… عمو محمد تهامي…”

يا الله… ما الذي تفعله كلمة “أبي” حين تخرج بهذا الصدق؟ وكيف يمكن لصوت ابنٍ يحاول أن يخفف عن والده، ويحمل عنه التعب، أن يهزّ روح إنسانٍ من الداخل بهذا الشكل؟ كنت أحاول مع أنس ألا يُثقل على والده، وأقول له: “يا أنس… دع الوالد يرتاح…” لكنه قال بجملةٍ قصيرة كسرت شيئًا في القلب: “أبي أشار أن أتصل بكم.”

يا الله… أي مكانةٍ هذه التي يجعل فيها الإنسان بعض الناس حاضرِين في خاطره حتى في لحظات تعبه ومرضه؟ ثم جاء النداء الذي لن أنساه ما حييت: “أبي: لو سمحت قل لعمو محمد: السلام عليكم.” فإن وقع تلك العبارة على القلب لا يمكن وصفه. في تلك اللحظة، لم أعد أسمع مجرد صوت… كنت أسمع تاريخًا كاملًا من الوفاء، والعلم، والجميل، والأثر النبيل الذي تركه هذا الرجل في حياتي وحياة أجيالٍ كاملة. قلت لأنس: ” كفاني يا أنس سماع صوتك وأنت تقول: أبي… أبي…” لأن بعض الكلمات لا تُقال بحروفها، بل بما تحمله من برّ، ومن حب، ومن خوف، ومن تعلقٍ عظيم بالأب.

ثم أخذنا الحديث إلى مساحاتٍ لا تشبه المكالمات العادية… تحدثت مع أنس عن مكانة والديه في قلوبنا، عن تلك القيم التي لا تُدرَّس في الكتب، بل تُعاش في البيوت الأصيلة، وعن ذلك النبل الذي كان يملأ بيتهم حتى يشعر الزائر أنه بين أهله لا في بيت أصدقاء. قال أنس: ” أشهد الله يا عمو- وليست مجاملة – أن أبي يقدرك ويعزك، ولك عندنا مكانة كبيرة.”

فشعرت أن الزمن عاد بي دفعةً واحدة إلى أكتوبر 1991… إلى جدة… إلى البيت العامر… إلى الرجل الذي لم يكن مجرد أستاذٍ يشرح “السكرتارية التنفيذية” في الثمانينات، بل كان مدرسةً كاملة في الأخلاق والهيبة والذوق والرحمة، والأنظمة، والقيم، والانضباط. كان يعلّمنا كيف يكون الإنسان محترمًا قبل أن يكون ناجحًا، وكيف تكون اللوائح أخلاقًا قبل أن تكون أوراقًا، وكيف تكون المروءة جزءًا من الإدارة، لا أمرًا منفصلًا عنها.

قال أحد الحكماء: ” بعض المعلمين يشرحون الدروس… وبعضهم يشرحون الحياة.” وأشهد بالله أن أستاذنا أحمد علام كان من الصنف الذي يترك أثره في الأرواح قبل العقول. وفي الحقيقة… لم أكن أثناء الحديث أرى أنس كشابٍ يتحدث مع أحد أصدقاء والده فقط، بل كنت أرى أمامي ثمرة تربيةٍ طويلة من الأدب والوفاء والحياء. في نبرة صوته احترامٌ لا يُصطنع، وفي طريقته رقةُ ابنٍ تربّى على تقدير الناس وحفظ الجميل، وفي كل كلمةٍ كان يظهر أثر البيت الذي نشأ فيه، ذلك البيت الذي لم يكتفِ بتعليم الأبناء النجاح، بل علّمهم كيف يكون الإنسان مهذبًا، وفيًّا، راقيًا، لين القلب، عفيف اللسان.

يا الله… ما أعظم الآباء حين تظهر أخلاقهم في أبنائهم دون أن يتحدثوا عن أنفسهم. لقد كان أنس – في تلك المكالمة – رسالةً حيّة تقول إن التربية الحقيقية لا تُكتب على الورق، بل تظهر تلقائيًا في النبرة، والدعاء، والوفاء، وطريقة السؤال، وحفظ المقامات، والحديث عن الوالدين بكل هذا الحب والبر. وتذكرتُ قول حكيم: “إذا أردت أن تعرف مقام الأب… فانظر إلى أخلاق أبنائه.” فأدركتُ أن الأستاذ أحمد علام لم يترك أثره في المؤسسات والأنظمة والناس فقط… بل ترك أجمل أثرٍ يمكن أن يتركه أبٌ في الدنيا: أبناءً يشبهونه خُلقًا ووفاءً ونبلًا.

ثم قال أنس: ” أرسلت رسالتك يا عمو إلى أخي محمد ووالدتي…” ودار بينهم حديثٌ عن الوفاء، وعن جيلٍ كانت العلاقات فيه تُبنى على المحبة الصادقة لا على المصالح العابرة. وقالت والدتهم الغالية: ” عمو محمد ما زال يتذكر من 1991…” يا الله… وهل تُنسى المواقف النبيلة أصلًا؟ وهل ينسى القلب بيتًا فتح أبوابه بمحبة، أو رجلًا استقبل الناس كأنهم بعض روحه، أو أمًّا فاضلة جعلت الزائر يشعر أن له مكانًا ثابتًا في الدعاء والمودة؟

أدركتُ تلك الليلة أن بعض الرجال لا يعلّمون أبناءهم كيف يعيشون فقط… بل يعلّمونهم كيف يُحبّهم الناس حتى في غيابهم. وحين كان أنس يردد: “أبي… أبي…” لم أكن أسمع صوت ابنٍ فقط، بل كنت أسمع سيرة رجلٍ نجح في أعظم استثمار بالعمر: أن يزرع نفسه حبًا في قلوب أبنائه. الحقيقة التي أدركتها في تلك المكالمة… أن بعض البيوت لا يسكنها الناس فقط، بل تسكنها القيم. وبعض الآباء لا يربّون أبناءهم بالكلام، بل بما يزرعونه فيهم من رحمة، وبر، ووفاء، وحفظٍ للجميل. ولهذا كان صوت أنس وهو يقول: ” أبي… أبي…” أبلغ من خطبٍ طويلة. لأنه كشف معدن البيت كله.

اللهم يا واسع الرحمة، يا كريم العطاء، اشفِ أستاذنا الحبيب أحمد علام شفاءً لا يغادر سقمًا، وألبسه لباس العافية والصحة، ومتعه بطول العمر وحسن العمل وراحة القلب، واجعل ما قدمه من علمٍ وخيرٍ وتربيةٍ في ميزان حسناته إلى يوم الدين. اللهم احفظ والدتنا الغالية أم بلال، وبارك في عمرها وصحتها وسكينتها، وأدم عليها نور القلب وطمأنينة الروح. اللهم بارك في أنس وإخوانه وأهل هذا البيت الكريم، واجعلهم امتدادًا لذلك الغرس الطيب الذي زرعه والدهم بعلمه وأخلاقه ووفائه.

أما بعض الناس… فلا يكبرون في أعيننا بسبب مناصبهم، بل لأنهم حين مرّوا في حياتنا… تركوا فيها شيئًا من النبل لا يموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top