|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
افتتاحية
في بعض الأخبار لا يمرّ الحزن كخبرٍ عابر…بل يفتح في القلب بابًا لا يُغلق بسهولة. “انتقل والد الأخ العزيز نوح إلى رحمة الله…”
جملة قصيرة، لكنها حين وصلت، لم تصل وحدها. جاءت معها الذاكرة كاملة: الصين، 1999، بيتٌ في الطابق الخامس بلا مصعد، خطواتٌ بطيئة لوالدين كبيرين في السن، وقلوبٌ تبدو كأنها تمشي نحو السماء أكثر مما تصعد درجًا.
ثم جاء الصوت الآخر من بعيد… من صديقٍ اسمه “هود”، كأن المسافات كلها اختصرت نفسها في سطرٍ واحد، لتقول: إن بعض العلاقات لا تموت… حتى لو مات أصحابها.
النص:
في الحياة، هناك أشخاص لا يتركون خلفهم ذكريات… بل يتركون “أثرًا يرفض أن يصبح ماضيًا”.
تعرفت على الأخ نوح في رحلة إلى الصين عام 1999، لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالًا من سطح العلاقات إلى عمق الإنسان.
هناك، في بيتٍ بسيط، صعدنا إلى الطابق الخامس دون مصعد.
لم يكن الصعود جسديًا فقط… بل كان صعودًا إلى معنى آخر للحياة.
والداه، في سنٍ متقدمة، يصعدان السلم على مراحل، لا شكوى، لا ضجيج، فقط صبر يشبه العبادة الصامتة. وحين سُئلوا عن سبب اختيارهم لهذا الطابق، جاء الجواب الذي لا يُنسى: إنهم كانوا في الطابق الأرضي، لكنهم فضّلوا الانتقال، حتى لا يعلوهم غير مسلم.
جملة واحدة… لكنها كانت تكشف أن بعض الناس لا يسكنون في البيوت، بل يسكنون في “المبدأ”.هنا تحديدًا، يصبح الإنسان أكبر من تفاصيل حياته، وأصغر من ادعاءاته. كما قال حكيم : “لا شيء أقوى من فكرة حان وقتها.” وهؤلاء لم تكن لديهم فكرة فقط… بل كان لديهم يقين يعيش في التفاصيل اليومية الصغيرة.
مرت السنوات، وانتهت العلاقة المؤسسية في 2011، لكن العلاقات الحقيقية لا تعرف كلمة “انتهت”.
هي فقط تغيّر مكانها من الجداول الإدارية… إلى الذاكرة الإنسانية. فكما قيل: “كل شيء يمكن أن يتغير في لحظة، إلا ما تركته الروح في روح أخرى.” وهكذا بقي نوح، لا كاسم في سجل قديم… بل كظلٍّ خفيفٍ في ذاكرة لا تشيخ.
واليوم، حين جاء خبر وفاة والده، لم يكن الحزن على شخصٍ واحد فقط…
بل كان استدعاءً كاملًا لذاكرةٍ كانت تظن أنها نامت. البيت عاد، الدرج عاد، الوجوه عادت، وحتى الصمت القديم عاد كأنه لم يغادر يومًا. لكن شيئًا واحدًا تغيّر: أصبح كل ذلك محاطًا بدعاءٍ أثقل من الذاكرة نفسها.
في لحظات الفقد، يتجلى الإنسان على حقيقته. ليس بما يملك… بل بما يترك في قلوب الآخرين. وقد قال أحد الحكماء: “ليست النهاية في الموت… بل في نسيان الأثر.” وهنا، لم يكن هناك نسيان. بل كان هناك امتداد… امتداد اسمه الدعاء.
إن أعظم ما يتركه الإنسان ليس ما بناه في الدنيا…بل ما بناه في القلوب دون أن يشعر. فالناس ينسون البيوت التي دخلوها، لكنهم لا ينسون الشعور الذي شعروا به داخلها.وهذا ما يجعل بعض الأشخاص أشبه بـ “الضوء”، إذا غابوا… بقيت الإضاءة في المكان.
قال الإمام علي رضي الله عنه: “ارتحل الناس وبقيت آثارهم، فكن أثرًا طيبًا يُذكر بعدك.”
وهذا ما يتجلى في هذه القصة ليست قصة زيارة، ولا علاقة، ولا زمن مضى. بل قصة إنسانٍ فهم أن القيمة ليست في طول العمر، بل في عمق الأثر.
حين يموت الإنسان… لا يُغلق ملفه في الأرض فقط. بل يُفتح ملفه في السماء… وفي قلوب من عرفوه بصدق.
والسؤال الذي يبقى معلقًا بعد كل رحيل: هل نحن مجرد أسماء ستُنسى؟ أم حكايات ستُروى حتى بعد أن نصمت نحن؟
إن أجمل ما يمكن أن يُقال في نهاية أي حياة: أن هناك من سيقول بعدك: “ما زلت أذكره… وأدعو له.”
وهذا وحده يكفي ليجعل الإنسان لم يغب تمامًا.
رحم الله والد العزيز نوح، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وألهم أهله الصبر،وجعل ما تركه من أثر… ممتدًا في الدعاء إلى يوم نلقاه.
فبعض البشر لا يغادرون… بل يتحولون إلى دعاءٍ دائم، يمشي في الأرض بصمت، ويصعد إلى السماء بلا انقطاع