|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
ليست الأيام كلها سواء، فهناك أيام تُكتب لتُنسى، وأيام تُكتب لتبقى شاهدة على زمنٍ كامل، كان فيه العمل عبادة، والمتابعة صلاةً أخرى لا تنتهي إلا مع فجرٍ جديد. ليلة العيد… ذروة المشروع… وتلك اللحظة التي تتكثف فيها الجهود كما تتكثف الأنفاس عند الدعاء.
ليلة عيد الأضحى… عام 2001… لم تكن الشاشات تضيء البيانات، ولا “الداشبورد” يختصر العالم في أرقام، ولا الهواتف الذكية تسبق القرار إلى المكاتب البعيدة. كان كل شيء يمشي على إيقاع مختلف: فاكس يُرسل… اتصال دولي يُجرى بصعوبة وبتوقيت محسوب… وأوراق تُحمل من مكتب إلى مكتب كأنها رسائل قدرٍ لا مجرد مستندات.
وفي قلب هذا المشهد… كانت المؤشرات الأولية أقل من المتوقع. تلك اللحظة التي يهبط فيها الرقم على القلب كقطرة بردٍ في ليلٍ طويل، لا لأنه رقم فقط، بل لأنه وعدٌ ينتظر أن يُوفى. دخل المكتب العزيز أبو عبد الرحمن عبداللطيف الهاجري رحمه الله… بابتسامته التي كانت تُشبه الطمأنينة قبل أن تُشبه البشر. كالعادة… يُسلّم، يهنئ، يحمل روح “الأيام الطيبة” حتى إن كانت الأرقام لا تقول ذلك بعد.
ثم جاء السؤال الذي يختصر كل شيء: “شو الأخبار بو طارق؟” وتم تقديم بيان الأمانات… الإيرادات… فانقلب وجهه إلى صمتٍ ثقيل. ليس صمت ضعف… بل صمت من يعرف أن الأرقام ليست مجرد حصيلة… بل أمانة أمام الله وأمام الناس. لحظة تأمل… ثم قال بصوتٍ هادئ كأنه يخرج من عمق التجربة: – “اتصل على د. أبو يحيى… نطمئن عليه… ونستلهم منه الدعوات.”
هنا لم يعد القرار إداريًا… بل تحوّل إلى يقينٍ آخر: أن الدعاء ليس ملحقًا بالعمل… بل هو جزء من هندسته الخفية. وما أجمل تلك المكالمة… حين امتزجت الكلمات بالرجاء، والأعباء بالحاجة، والقلق باليقين أن الفرج لا يُقاس بالمعادلات وحدها.
كان العام مختلفًا… حاجة الناس أكبر من المعتاد، وأعين تنتظر الأضاحي كما ينتظر الملهوف نافذة الفجر. فذكّر أبو عبد الرحمن بالدعاء… وكأنما يقول: “حين تضيق الحسابات… اتسعوا أنتم إلى السماء.” ثم غادر المكتب… لكن لم يغادر المعنى. خرج مهمومًا… ليس على المشروع فقط، بل على فكرة أن أمانةً كهذه لا تُدار إلا بقلوبٍ خائفةٍ من التقصير.
وفي تلك الليلة… لم يكن هناك حل تقني سريع، ولا زرّ تحديث يغيّر المؤشرات، بل كان هناك شيء أعمق: صلاة حاجة… دعاء… وتعزيز صادق للتواصل مع المكاتب التنفيذية، التسويقية، والموردين. ومع مرور الساعات… بدأ ما لا يُفسَّر بسهولة في لغة الأرقام يحدث: الاتصالات تتكاثر، التجاوب يتحسن، المؤشرات تبدأ بالتحرك ببطء… كأنها تستجيب لشيء غير مرئي.
ثم اقترب الفجر… وفي لحظات الفجر تحديدًا… حدث التحول. الأرقام ترتفع… المستهدف يُقترب منه… ثم يُتجاوَز. بل وبنسبٍ أعلى من المتوقع. وكأن الليل كله كان يمهّد لرسالة واحدة: أن العمل حين يُحاط بالصدق والدعاء… لا يبقى أسير المعطيات الظاهرة.
كانت السياسة في تلك الحقبة واضحة: الاستمرار حتى آخر أيام التشريق… لا توقف مبكر… لا استسلام لمؤشرات أولية… بل جاهزية كاملة تمتد حتى آخر لحظة من موسم الرحمة. وكان هناك شيء لا يُكتب في التقارير لكنه كان حاضرًا دائمًا: الروح العالية التي تسكن المكتب الرئيس… والتكاتف مع المكاتب الخارجية… وعلاقة ممتدة مع الموردين والتجار… كأن الجميع يعمل ضمن قلبٍ واحد، لا داخل منظومة منفصلة. قال الإمام الشافعي: “ما نال من نال إلا بحسن النية وصحة العزيمة.”
لكن هنا… كانت النية والعزيمة والدعاء… في نفس الاتجاه. وقال ابن القيم: “الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب.” وفي تلك الليلة تحديدًا… كان الدعاء جزءًا من حركة الأرقام، لا تعليقًا عليها. ومع شروق الفجر… لم يكن المشهد مجرد نجاح في مستهدف. بل كان درسًا ممتدًا: أن الإدارة ليست أرقامًا فقط… بل لحظات خوف… ودعاء… وصبر… ثم فرج يأتي حين يظن الناس أنه بعيد.
وهكذا بقيت تلك الليلة في الذاكرة… ليست كواقعة تشغيلية… بل كصفحة من تاريخٍ نادر، كان فيه الاتصال الدولي صعبًا، والفاكس وسيلة رسم القرار، والحصر اليدوي مدرسة دقة، والإنسان هو النظام… قبل أن توجد الأنظمة. وفي مثل هذا اليوم… لم يكن المشروع يُدار فقط… بل كانت تُدار أمانةٌ تُشبه الدعاء حين يُرفع في آخر الليل… ولا يُرد.