حين سبقت الأفعال الكلمات

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

زيارةٌ جاءت من المغرب… ووصلت إلى القلب قبل أن تصل إلى مقر الإقامة

هناك مواقف تمرّ على الإنسان، فلا يستطيع أن يضعها في خانة المجاملة، ولا الضيافة، ولا حتى الكرم بالمعنى المعتاد. لأن بعض الأفعال حين تصدر من أصحاب النفوس النبيلة، تتجاوز حدود الوصف، وتتحول إلى رسالة أخلاقية راقية، تُذكّر الإنسان أن الدنيا ما زالت بخير، وأن المعروف لا يزال يجد من يحمله في قلبه قبل يديه.

وفي عصر يوم الجمعة المبارك، 19 يونيو 2026 وبينما كنت أظن أن الأمر لا يتجاوز تبادل السلام والدعاء، فوجئت بمشهدٍ لم يكن في الحسبان. رسالة تحمل من الأدب أكثر مما تحمل من الكلمات، كانت البداية برسالة من الفاضلة الكريمة أم مريم، الأخت لبنى، رضي الله عنها وأرضاها. زوج العزيز الحبيب السيد منيسي- رضي الله عنهم وأرضاهم. رسالة تفيض بالأدب، وتقطر مودة، وتنبض بروحٍ تعرف كيف تجمع بين الاحترام والمحبة. سألت عن الحال، واطمأنت على الأحوال، وأخبرت بوصولهم إلى الدوحة، ثم ختمت رسالتها برغبةٍ رقيقة في الزيارة، ودعوة للدعاء لأخي العزيز أبي مريم، الذي يمر بوعكة صحية متعبة. وفي الحقيقة، لم تكن الرسالة مجرد استفسار. كانت قطعة من أخلاق أصحاب القلوب النقية. وقد قال أحد الحكماء: “حين تقرأ رسالة فتشعر أن كاتبها حاضر أمامك، فاعلم أن الكلمات خرجت من القلب قبل أن تخرج من القلم.” وكان هذا تمامًا ما شعرت به.

ردٌّ ظننته نهاية الحديث

جاء الرد بما يليق بمقامهم الكريم، وتضمّن الاعتذار بلطف عن الزيارة في ذلك التوقيت، مع التأكيد أن مقامهم محفوظ، وأن زيارتهم محل تقدير ومحبة. وظننت أن الحديث انتهى عند هذا الحد. لكن أهل المروءات الجميلة كثيرًا ما يفاجئونك بما هو أجمل من المتوقع.

المفاجأة التي كانت تنتظر عند الاستقبال

في عصر الجمعة… ورد اتصال هاتفي. من الفاضلة العزيزة أم مريم بالاستقبال تنتظر. نزلت على عجل. وهناك المفاجأة. وصلت بالأمس فقط من المغرب. ومع ذلك لم تأتِ بيدٍ فارغة. ولم تكتفِ برسالة. ولم تجعل المسافات أو الإرهاق أو السفر الطويل عذرًا يؤجل المعروف. بل جاءت تحمل بين يديها محبةً تمشي على الأرض. هدايا لا تُقاس بقيمتها… بل بما وراءها كانت تحمل وجبة ساخنة من إعدادها. وهنا توقفت قليلًا. فالطعام الذي يُشترى جميل. أما الطعام الذي يُصنع بعد رحلة سفر، ويُحمل من بيتٍ إلى بيت، ويُقدّم بمحبة خالصة…فهذا شيء آخر. كان طبقًا مغربيًا أصيلًا. رقاقًا ودجاجًا بطريقة لم أرها من قبل. نكهة مختلفة. ومذاق يحمل في داخله حكاية بلدٍ كامل.

شعرت وكأن المغرب نفسه أرسل تحية صغيرة إلى الدوحة. وكان الطبق يقول دون كلمات: “المحبة لا تعرف الجغرافيا.” عسلٌ جاء من أرضه ولم يكن الطعام وحده. بل كان هناك عسل نحل فاخر. وكأن الطبيعة نفسها شاركت في الهدية. ولأن الأشياء الجميلة تعرف أصحابها، كان العسل يحمل عبق الجبال والزهور والحقول البعيدة. وقد قال أحد حكماء المغرب: “إذا اجتمع صفاء القلب وصفاء العسل، أصبح الاثنان دواء.”

هدية من الوطن البعيد

ثم جاءت المفاجأة الأخرى. تركيبة غذائية خاصة، حملتها معها من المغرب. يا الله… كم من الناس يتذكرون أنفسهم أثناء السفر؟ لكن أصحاب القلوب الواسعة يتذكرون غيرهم. تحملها من بلد إلى بلد. وتفكر في احتياج الآخرين قبل أن تستقر هي من عناء الرحلة. هنا فقط فهمت أن المعروف الحقيقي لا يُقاس بحجمه، بل بقدر التفكير الذي سبق تقديمه.

والعطر الذي كشف سرّ الهدية

ثم كانت هدية العطور الجميلة. لكن الحقيقة أن العطر لم يكن داخل الزجاجة فقط. بل كان في الموقف كله. في طريقة الحضور. وفي حرصها على الوصول. وفي اختيار الوقت. وفي ذلك الإصرار النبيل على أن تصل المحبة بصورة عملية لا كلامية. وقد قال أحد العظماء المغمورين: “بعض البشر إذا حضروا تركوا خلفهم عطرًا في الذاكرة لا تصنعه مصانع الدنيا.”

درس في الأخلاق لا يُنسى

وأنا أتأمل المشهد كله، أدركت أن أجمل ما فيه لم يكن الطعام. ولا العسل. ولا العطور. بل الخلق. ذلك الخلق الذي يجعل الإنسان يسافر، ثم يفكر في غيره. ويتعب، ثم يحمل بيده ما يسرّ غيره. ويصل متأخرًا من رحلة طويلة، ثم يكون أول ما يفعله السؤال عن الأحباب. وهذه خصلة لا تُشترى. ولا تُدرّس. بل هي تربية ربانية تسكن القلب.

مريم… فرحٌ صغير يمشي بين الكبار

وكان مما زاد المشهد جمالًا، ذكر مريم في اللقاء السابق وفرحتها بأحباب أبيها وإخوانه وأصفيائه. فالأبناء يتعلمون من آبائهم ما يسمعونه، لكنهم يتعلمون أكثر مما يرونه. وحين تنشأ طفلة في بيتٍ يعرف الوفاء، ويحفظ الود، ويُكرم العلاقات الطيبة، فإنها تكبر وهي تحمل هذه القيم كما تحمل اسمها. وقد قال حكيم : “الأطفال لا يرثون المنازل فقط… بل يرثون أخلاق أهلها.”

دعاء من القلب

اللهم يا واسع الفضل والإحسان، بارك للفاضلة أم مريم، الأخت لبنى، في صحتها وعمرها وأهلها وذريتها، واجعل ما قدمته من معروف في ميزان حسناتها يوم تلقاك. اللهم اجزها عن كل خطوة خطتها، وكل هدية حملتها، وكل خاطر طيب أرادت إدخاله على غيرها، خير الجزاء وأوفاه. اللهم بارك في ابنتها مريم، واجعلها قرة عين لوالديها، وافتح لها أبواب العلم والخير والصلاح، وأنبتها نباتًا حسنًا. اللهم اشفِ أخانا العزيز السيد أبا مريم شفاءً لا يغادر سقمًا، وألبسه لباس الصحة والعافية، واجعل ما أصابه رفعة له وتكفيرًا لذنوبه. اللهم اجمع هذه الأسرة الكريمة على الخير والمحبة والرضا، وأدم بينهم الألفة والسكينة والرحمة.

الخاتمة… وفي ذلك العصر الهادئ من يوم الجمعة…لم تكن هناك زيارة طويلة. ولم يكن هناك مجلس ممتد. ولم تكن هناك ساعات من الحديث. لكن كانت هناك لحظة إنسانية كاملة. لحظة أثبتت أن بعض الناس لا يحتاجون إلى وقت طويل ليتركوا أثرًا عظيمًا. يكفي أن يحضروا بقلوبهم. فالحضور الحقيقي ليس حضور الأجساد…بل حضور الأرواح. ولهذا ستبقى تلك الزيارة في الذاكرة طويلًا… ليس لأن فيها طعامًا جاء من المغرب، أو هديةً جميلة، أو عطرًا فاخرًا. بل لأنها جاءت محمولةً على جناحي الوفاء. ولأنها ذكّرتنا بحقيقةٍ عظيمة: أن أجمل الهدايا في الدنيا ليست ما نحمله في أيدينا… بل ما نحمله للناس في قلوبنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top