ميزان الخلود

محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في ليلةٍ لم تُسجَّل في دفاتر البشر، ولم تُدوَّن في أرشيف الممالك، اجتمع الثلاثة في ساحةٍ لا يحدّها مكان ولا يقيسها زمان. الجسد، والروح، والزمن. لم يكن العقل حاضرًا هذه المرة بوصفه حَكمًا، بل كان صامتًا في الخلفية، كأنه تلميذٌ يتعلّم من المشهد الأكبر.

وقف الجسد أولًا. لم يقف متكبرًا، بل متعبًا. قال بصوتٍ فيه خشونة الطريق وكدّ الأيام: أنا الذي تحملتُ الثقل كله. أنا الذي أسهر حين ينام الطموح، وأجوع حين تتأخر الأحلام، وأمرض حين يختلّ الميزان. تطلبون مني العطاء بلا توقف، وتلومونني إن طلبتُ راحة. أُلام إن رغبت، وأُعاتَب إن ضعفت، وكأنني لستُ من طين هذه الأرض.

اقتربت الروح. لم تكن خفيفة كما يُظن، بل كانت عميقة كبحرٍ لا يُرى قاعه. قالت بهدوءٍ يشبه اليقين: وأنا… أنا التي إن غبتُ، صرتَ كتلةً تمشي بلا معنى. أنا التي أُعطيك الوجهة حين تتشعب الطرق، وأمنحك القيمة حين يضيع المعيار. إن شبعتَ بلا مقصد، صرتَ أسير شهوة. وإن نمتَ بلا رسالة، صرتَ ظلًّا بلا شمس.

تدخّل الجسد بحدّة: ولكنك تُرهقينني بالمثاليات! تطلبين الصفاء في عالمٍ موحل، وتأمرينني بالصبر حين تتكاثر الجراح. أنا محدود… وأنا أضعف مما تتخيلين.

ابتسمت الروح، ابتسامة لا تُرى لكنها تُشعَر: وأنا بلاك لا أتحقق. أنا أحتاجك كما تحتاجني. إن ارتفعتُ دونك صرتُ وهمًا، وإن انفصلتُ عنك صرتُ حنينًا بلا أثر.

وهنا… تحرّك الزمن. لم يكن شيخًا ولا طفلًا. كان حضورًا كثيفًا، كأنه المرآة التي لا تُجامل. قال بصوتٍ يشبه صرير الأبواب القديمة: أنا الشاهد على نزاعكما منذ أول إنسان. رأيتُ الجسد حين طغى، فصار الإنسان عبدًا للذة، وانتهى إلى فراغٍ يبتلعه. ورأيتُ الروح حين تجاهلت حدود الجسد، فأرهقته حتى انكسر، فضاع الحلم قبل أن يكتمل. أنا لا أنحاز لأحدكما. لكنني أُظهر العاقبة.

سكت الجسد. وسكتت الروح. أكمل الزمن: حين يختل الميزان، أُسرّع السقوط. وحين يتعاند الطرفان، أُقصّر المسافة إلى الندم. لكن… حين تتصالحان، أفتح أبوابي للخلود.

اقتربت الروح من الجسد، وقالت بنبرةٍ لم تكن وعظًا، بل فهمًا: لن أطلب منك ما لا تطيق. سأذكّرك فقط لماذا خُلِقنا. لن أحملك فوق احتمالك، لكنني لن أسمح لك أن تنسى رسالتك.

ردّ الجسد بصوتٍ أقل خشونة: وأنا لن أهرب إلى راحةٍ تقتل المعنى، لكنني أحتاج أن تعترفي بحدودي. أنا أتعب… وأحتاج أن أُصان.

هنا تدخّل الزمن مرة أخرى: اكتبا ميثاقكما الآن… فأنا لا أنتظر طويلًا.

فقالت الروح: الميثاق أن تكون اللذة وسيلة لا غاية. وأن تكون الراحة استعدادًا لا انسحابًا.

وقال الجسد: والميثاق أن يكون السمو واقعيًا لا متعاليًا، وأن يكون الزهد وعيًا لا هروبًا.

ابتسم الزمن. ولأول مرة منذ دهور، لم يُسجّل خسارة.

في تلك الساحة التي لا اسم لها، وُلد إنسانٌ جديد. إنسانٌ يعرف أن الجسد مركب، والروح بوصلة، والزمن بحر. فإن اختل المركب، غرق. وإن تعطلت البوصلة، تاه. وإن تجاهل البحر، ابتلعه. ليس الجسد عدوًا. وليس الروح خصمًا. العدو هو الطغيان… حين ينسى أحدهما أنه خُلق ليكمل الآخر. يهمس الزمن في نهاية المشهد: كل ما لا يتوازن… يفنى. وكل ما يتكامل… يبقى.

ربما لم يشهد التاريخ هذا الحوار، لكن التاريخ شهد نتائجه في كل حضارة سقطت لأنها عظّمت الجسد وحده، وفي كل تجربة روحية انطفأت لأنها تجاهلت حدود الإنسان. أما الإنسان الذي يصالح بينهما… فهو الذي يمشي خفيفًا، لا لأنه بلا جسد، ولا لأنه بلا رغبات، بل لأنه عرف كيف يجعل الرغبة خادمة للمعنى، وكيف يجعل المعنى رحيمًا بالطبيعة.

وهنا فقط… يصبح النص تأملًا لا قراءة، وتصبح الحياة رسالة لا سباقًا، ويصبح الزمن صديقًا لا خصمًا. فيا أيها القارئ… حين تشعر بصراعٍ داخلي، تذكّر أن في داخلك مناظرةً لم تتوقف منذ وُجدت، وأنك أنت الساحة، وأنت الحكم، وأنت النتيجة. فاختر التوازن… قبل أن يختار الزمن عنك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top